لم تعد المؤسسات الرسمية في ليبيا هي المحرك الفعلي للقرار السياسي او الجهة الوحيدة التي ترسم ملامح المرحلة المقبلة، فقد تحولت مراكز الثقل في عدد من المدن الليبية الى لاعب رئيسي يمتلك القدرة على فرض شروطه وتوجيه البوصلة وفق مصالحها الخاصة، مستندة في ذلك الى ترسانة عسكرية ضخمة وتغلغل واسع لشخصياتها في مفاصل الدولة الحساسة. واظهرت التطورات الاخيرة ان الانقسام المؤسسي المستمر منح هذه المدن ثقلا مضاعفا، حيث باتت مواقف مدن مثل مصراتة وطرابلس وبنغازي والزاوية والزنتان بمثابة فيتو فعلي يعطل او يمرر اي تفاهمات سياسية او استحقاقات انتخابية مؤجلة. واكد مراقبون ان المشهد الحالي يعكس تراجعا لنفوذ الاجسام المنبثقة عن الاتفاقات الدولية لصالح هيمنة محلية ذات طابع جهوي وعسكري.
مصراتة ومركزية القرار في غرب ليبيا
وتتصدر مدينة مصراتة واجهة المشهد في المنطقة الغربية، مستمدة قوتها من ثقلها السكاني ودورها المحوري في الاحداث التي شهدتها البلاد منذ سنوات، حيث يرى محللون ان شبكة النفوذ التي تقودها عائلة الدبيبة في مفاصل الحكومة والمؤسسات الامنية قد عززت من سيطرة المدينة على القرار التنفيذي. وبينت المعطيات الميدانية ان تحكم مصراتة في منافذ حيوية مثل الميناء والمنطقة الحرة والسيطرة على تشكيلات عسكرية مثل اللواء 111 مجحفل، جعل منها رقما صعبا لا يمكن تجاوزه في اي تسوية سياسية قادمة. واضاف ناشطون ان هذا التفرد في اتخاذ القرارات والتفاوض باسم الغرب الليبي اثار تساؤلات حول طبيعة التمثيل الوطني وغياب التوازن في ادارة الدولة.
الزاوية وبنغازي واوراق الضغط الاستراتيجي
وتشكل مدينة الزاوية حجر عثرة امام اي سلطة تحاول الاستقرار في طرابلس، نظرا لموقعها الاستراتيجي على الطريق الساحلي وتحكمها في مصفاة النفط التي تعد عصب الطاقة في المنطقة الغربية، مما يمنحها ورقة ضغط سياسي واقتصادي قوية. واوضح سياسيون ان هذه السيطرة على خطوط الامداد تجعل من الزاوية طرفا فاعلا يفرض شروطه باستمرار، رغم ما تعانيه من اقتتال داخلي وتوترات امنية تؤثر على استقرار العاصمة. واكدت التقارير ان هذا الواقع يعكس تعقيدات المشهد حيث تتداخل المصالح المحلية مع طموحات التشكيلات المسلحة.
ثقل بنغازي والزنتان في معادلة الحكم
وفي شرق البلاد، تظل بنغازي القوة الجيوسياسية الاهم بصفتها مقرا للقيادة العامة للجيش ومجلسا للنواب، وهو ما يمنحها قدرة مطلقة على تعطيل اي مبادرات اممية لا تحظى بموافقتها، مما يجعلها شريكا الزاميا في اي عملية توحيد للمؤسسات المالية او السيادية. واضافت التحليلات ان مدينة الزنتان عادت بقوة الى واجهة الاحداث بفضل حضورها العسكري ورموزها في جهاز المخابرات، اضافة الى ارثها السياسي المرتبط بملفات حساسة، مما يؤكد ان خارطة التحالفات في ليبيا باتت ترسم داخل المدن وليس تحت قبة البرلمان او اروقة الحكومة.
