تشهد الساحة السياسية والميدانية تحولات مفصلية في مسار عملية السلام الرامية لإنهاء ملف حزب العمال الكردستاني ونزع سلاحه بشكل نهائي. وتأتي هذه التطورات في وقت تسعى فيه أنقرة إلى تكريس واقع جديد تحت مسمى تركيا خالية من الارهاب، حيث سجلت تقارير ميدانية انسحابات لافتة لمسلحي الحزب من مواقع استراتيجية حساسة داخل إقليم كردستان العراق، وهو ما يعد مؤشرا قويا على جدية الخطوات المتبعة نحو تسوية شاملة.

واضافت المصادر أن هذه الانسحابات شملت معسكر سياني ومنطقة بهار تبه في جبل غارا، وهي مناطق كانت تعد لسنوات طويلة معاقل رئيسية لتدريب عناصر الحزب وتلقي العلوم العسكرية والايديولوجية. وبينت تقارير أمنية أن قوات تركية تحققت فعليا من إخلاء هذه المواقع، موضحة أن هذه الخطوة تأتي كشرط أساسي ومسبق قبل المضي قدما في أي إجراءات قانونية داخل البرلمان التركي.

واوضحت جهات سياسية أن زيارة رئيس المخابرات التركي إبراهيم كالين إلى بغداد وأربيل والسليمانية شكلت ركيزة أساسية في التنسيق الأمني والسياسي لهذه العملية. واكد كالين خلال لقاءاته مع القيادات العراقية والكردية على أهمية تعزيز التعاون المشترك لتحقيق استقرار طويل الأمد، مشددا على أن إنهاء التهديدات الأمنية يصب في مصلحة كافة الأطراف الإقليمية.

مسار قانوني وبرلماني قيد التجهيز

وكشفت المتحدثة باسم حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب عائشة غول دوغان عن وجود تفاهمات أولية لطرح مسودة قانون إطاري للسلام على البرلمان خلال شهر يوليو الحالي. واضافت أن الحزب يعمل على تهيئة الأجواء السياسية لضمان تمرير هذا القانون قبل بدء العطلة الصيفية للبرلمان، نافية في الوقت ذاته صحة الأنباء التي تحدثت عن موافقة زعيم الحزب السجين عبد الله أوجلان على المسودة الحالية.

وذكرت دوغان أن وفد الحزب لم يتمكن من التواصل مع أوجلان منذ قرابة أربعين يوما، مبينة أن الغموض لا يزال يكتنف تفاصيل المسودة القانونية. واكدت أن الحزب يطالب بوضوح وشفافية في التعامل مع هذه المقترحات، مشيرة إلى أن الجمهور بحاجة إلى معرفة الحقائق بدقة بعيدا عن التكهنات المتداولة في الأوساط الإعلامية.

واضافت المتحدثة أن العملية تتطلب حوارا مباشرا وواضحا، موضحة أن أي حل لا يأخذ في الاعتبار آراء الأطراف المعنية قد يواجه صعوبات في التطبيق على أرض الواقع. وشددت على أن الحزب يرى في الإطار القانوني خطوة ضرورية شرط أن تستند إلى توافقات حقيقية تنهي عقودا من الصراع والتوتر.

مواقف متباينة وتحديات المرحلة القادمة

واظهر بيان صادر عن المجلس التنفيذي لاتحاد مجتمعات كردستان تحفظات على الزيارات الدبلوماسية الأخيرة، معتبرا أن السياسات المتبعة قد لا تلبي طموحات الأكراد في المرحلة الراهنة. وبين البيان أن أي قانون يتم طرحه دون عرض تفاصيله على أوجلان لن يحظى بالقبول، مشددا على رفض العودة لسياسات المواجهة التي أثبتت فشلها على مدار قرن كامل.

واضاف البيان أن اتحاد مجتمعات كردستان يدعم التوجه نحو السلام، لكنه يطالب بآلية تقييم شاملة تتضمن إشراك كافة القيادات الفاعلة في العملية. واكد أن المقترحات التي قدمها أوجلان سابقا يجب أن تكون المرجع الأساسي لأي حوار، موضحا أنهم بانتظار خطوات عملية تضمن حقوق المكونات وتنهي حالة الشرخ بين الشعب الكردي والدولة التركية.

واختتمت الأطراف المعنية بتأكيدها على أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مصير هذه العملية، وسط ترقب لما ستسفر عنه الجلسات البرلمانية القادمة. واوضحت التطورات أن المسار الدبلوماسي والأمني لا يزال يتصدر المشهد، مع استمرار المحاولات لتقريب وجهات النظر وضمان استدامة الأمن في المنطقة.