أثارت دعوة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون للمعارضين المقيمين في الخارج بالعودة إلى البلاد وممارسة العمل السياسي من الداخل ردود فعل متباينة بين أوساط المعارضة التي شككت في جدية هذه الخطوة. وجاءت هذه الدعوة خلال لقاء تبون مع أفراد الجالية الجزائرية في ألمانيا على هامش زيارة عمل رسمية، حيث شدد على أن المعارضة المتحضرة التي تطرح بدائل عملية تساهم في دفع مسيرة التقدم الديمقراطي.

واعتبر الرئيس تبون أن لكل مواطن الحق الكامل في ممارسة النقد بشرط احترام القيم والحرمة الوطنية، محذرا في الوقت ذاته من أن أساليب التجريح والسب لا تثمر حلولا بل تغذي خطابات الكراهية. وأوضح أن الاختلاف مع التوجه القائم يجب أن يقترن بتقديم حلول بديلة ملموسة، مؤكدا أن هذا الأسلوب هو السبيل الوحيد لإثراء المسيرة الوطنية.

وبين مراقبون أن توقيت هذه الدعوة من برلين يحمل دلالات سياسية، خاصة أن الدول الأوروبية ظلت لسنوات تشكل الملاذ الآمن لأبرز وجوه المعارضة الجزائرية التي تختلف مع السلطة في ملفات جوهرية. واكدت أوساط سياسية أن هذه الرسالة تهدف إلى إعادة ترتيب أوراق ملف المعارضة الخارجية الذي شكل على الدوام نقطة توتر في العلاقات الدبلوماسية مع عدة عواصم أوروبية.

مطالب بضمانات حقيقية لا وعود لفظية

وشدد سعيد صالحي، رئيس الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، على أن الدعوة للعودة تظل إجراء شكليا ما لم تقترن بتغييرات جذرية في ممارسات النظام القائمة. وأضاف أن المعارضة تصطدم بواقع يفرغ حرية التعبير من محتواها، مشيرا إلى أن حل المنظمات الحقوقية وملاحقة النشطاء قضائيا يمثلان عائقا كبيرا أمام أي انفراج سياسي.

وأوضح صالحي أن تحويل هذه الدعوات إلى واقع ملموس يتطلب خارطة طريق واضحة تبدأ بإنهاء الملاحقات القضائية وإلغاء القوانين المقيدة للحريات، وعلى رأسها المواد القانونية التي تُستخدم لتجريم الرأي. واكد أن تصفية ملف الاعتقال السياسي والإفراج عن سجناء الرأي وإسقاط الأحكام الغيابية تعد شروطا جوهرية لضمان عودة آمنة للنشطاء دون خوف من التهديدات القانونية.

وكشف الناشط والصحافي عبد الكريم زغيليش عن قلقه من واقع الملاحقات القضائية المستمرة، متسائلا عن جدوى الحديث عن معارضة متحضرة بينما يواجه خصوم السلطة عشرات القضايا أمام المحاكم. واضاف أن الحقائق الموثقة على الأرض هي التي تعكس المشهد الحقيقي، مشيرا إلى أن المعارضين يحتاجون إلى ضمانات قانونية ملموسة تنهي حقبة التضييق وتسمح بفتح الفضاء العام والمدني.

شراكة اقتصادية استراتيجية مع ألمانيا

وأظهرت زيارة الرئيس تبون إلى برلين رغبة قوية في تعزيز التعاون الاقتصادي مع ألمانيا، حيث وصفها بالشريك الصديق الكبير في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر. وأضاف أن البلدين توصلا إلى اتفاقيات استراتيجية ستجعل من الجزائر لاعبا رئيسيا في سوق الغازات النادرة والصناعات الميكانيكية المتطورة.

وتابع أن الزيارة توجت بتوقيع أكثر من 30 اتفاقية تعاون تشمل قطاعات حيوية مثل المحروقات والصناعات الصيدلانية والتكنولوجيات الدقيقة. واكد أن مشروع ممر الهيدروجين الجنوبي يمثل حجر الزاوية في هذه الشراكة الجديدة التي تتجاوز التحديات السياسية نحو آفاق اقتصادية واعدة للطرفين.

واختتمت الزيارة بالتأكيد على أهمية تكثيف الاستثمارات المشتركة بين رجال الأعمال من البلدين، مع التركيز على نقل التكنولوجيا وتحقيق الانتقال الطاقوي. وبينت التقارير الرسمية أن هذه الشراكة تعكس توجها جزائريا جديدا نحو تنويع الحلفاء الاقتصاديين في أوروبا بعيدا عن الملفات السياسية العالقة.