اتخذت انقرة خطوة استراتيجية جديدة بتمديد تواجد قواتها العسكرية في الصومال لمدة عامين اضافيين، وهي خطوة تاتي في توقيت يشهد فيه القرن الافريقي سباق نفوذ محتدما بين القوى الاقليمية والدولية، خاصة مع بروز متغيرات جيوسياسية جديدة ترتبط بالتحركات الاسرائيلية في المنطقة. وتهدف هذه الخطوة الى ضمان استقرار مقديشو وتامين المصالح الحيوية التركية المتنامية في عمق القارة السمراء.

واكدت المصادر الرسمية ان البرلمان التركي صادق على مذكرة رئاسية تجدد التفويض الممنوح للقوات المسلحة للعمل داخل الاراضي الصومالية، وذلك في اطار التزام انقرة بدعم القدرات الدفاعية الصومالية في مواجهة التهديدات الامنية المتصاعدة، وعلى راسها حركة الشباب، اضافة الى تعزيز التعاون في مجالات مكافحة القرصنة والتهريب البحري التي تهدد الملاحة الدولية في خليج عدن والمحيط الهندي.

وبينت التحليلات السياسية ان هذا التمديد يعكس رؤية تركية شاملة تتجاوز البعد الامني البحت، حيث تسعى انقرة الى تعظيم مكاسبها الاقتصادية والسياسية في منطقة استراتيجية، مستغلة في ذلك تراجع الادوار التقليدية لبعض القوى الغربية، ومحاولة خلق توازن قوى جديد يضمن لها موطئ قدم دائم في خارطة الطاقة والامن في افريقيا.

دوافع الحضور العسكري التركي

واشار خبراء في الشؤون الاقليمية الى ان القرار التركي يحمل في طياته رسائل واضحة تجاه التوترات الناشئة مع اسرائيل، لاسيما بعد توجهات الاخيرة نحو الاعتراف بكيانات انفصالية في المنطقة ومحاولات التغلغل عبر اقامة قواعد بحرية، مما دفع انقرة الى تعزيز وجودها كشريك امني لا غنى عنه للحكومة الصومالية.

واضاف المحللون ان البعد الاقتصادي يلعب دورا محوريا في هذا الحضور، حيث ترتبط تركيا باتفاقيات ضخمة للتنقيب عن موارد الطاقة في السواحل الصومالية، وهو ما يتطلب حماية عسكرية مستمرة لضمان سير العمل في هذه المشاريع الحيوية التي تعد ركيزة اساسية في استراتيجية انقرة طويلة الامد.

واوضح المختصون ان التموضع التركي في الصومال يخدم ايضا طموحات انقرة في ربط مصالحها الجيوسياسية عبر عدة ساحات، حيث تشكل القاعدة العسكرية في مقديشو نقطة ارتكاز استراتيجية تمنح تركيا قدرة اكبر على المناورة في ملفات اقليمية اخرى، معتبرين ان استمرار هذا الدعم يمثل ضرورة ملحة لاستعادة الدولة الصومالية عافيتها الامنية.

شراكة استراتيجية طويلة الامد

وشدد خبراء الشؤون الصومالية على ان الوجود العسكري التركي الذي بدا فعليا منذ افتتاح القاعدة العسكرية في عام 2017، تحول من مجرد مهمة تدريبية الى شراكة استراتيجية شاملة تشمل البنية التحتية والموانئ والمطارات، مما يجعل من التمديد العسكري جزءا من حماية الاستثمارات التركية الضخمة في البلاد.

واكد المراقبون ان تركيا نجحت في بناء نموذج تعاون فريد مع مقديشو، يجمع بين الدعم العسكري المباشر والمشاريع التنموية، مما يعزز من نفوذها الناعم والصلب في آن واحد، ويجعل من الصومال حليفا رئيسيا يضمن لانقرة دورا محوريا في اي ترتيبات امنية مستقبلية تخص منطقة القرن الافريقي والبحر الاحمر.

وبينت المعطيات الميدانية ان استمرار القوات التركية يمثل صمام امان للحكومة الفيدرالية في صراعها ضد الجماعات المسلحة، وهو ما يفسر الترحيب الصومالي الدائم بهذا التواجد الذي يساهم بشكل مباشر في اعادة هيكلة قوات الدفاع والامن الوطنية لتمكينها من السيطرة على مفاصل الدولة وحماية سيادتها.