تصاعدت حالة من القلق البالغ في الشارع السوداني نتيجة التنامي المستمر في اعداد المجموعات المسلحة وتعدد الميليشيات التي تنتشر بشكل لافت في مختلف المناطق. يرى مراقبون ان هذا المشهد الامني المعقد يعيد الى الاذهان سيناريوهات الحروب الاهلية التي تتغذى على النزاعات العرقية والقبلية والمناطقية. واظهرت جولات ميدانية في العاصمة الخرطوم وجود مركبات عسكرية محملة بالاسلحة الثقيلة تتجول في الشوارع رغم ادعاءات الجيش بانتهاء العمليات القتالية الكبرى، مما يغذي مخاوف السكان من انفجار نزاع داخلي جديد يجهز على ما تبقى من مقومات الحياة في البلاد.
واكد شهود عيان ان الوعود الرسمية بضبط الامن لا تزال حبرا على ورق، حيث يواصل مسلحون مجهولو الهوية او يتبعون لتشكيلات غير نظامية فرض سيطرتهم على المشهد العام. واضاف مواطنون ان السيناريو يتكرر بشكل مثير للريبة، اذ اصبح من الواضح ان تحالفات الجيش مع مجموعات مسلحة متنوعة قد تكون قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في اي لحظة، خاصة مع تضارب المصالح بين هذه الكتائب التي تملك ترسانة عسكرية ضخمة تشمل مسيرات وصواريخ مضادة للطائرات.
وبينت التحليلات الميدانية ان الخارطة العسكرية باتت تضم كيانات مثل القوة المشتركة وكتيبة البراء بن مالك وقوات درع السودان، وهي تشكيلات تتقاطع في اهدافها التكتيكية وتتباعد في مرجعياتها الايديولوجية. واشار خبراء امنيون الى ان استمرار وجود هذه القوى المسلحة وسط التجمعات السكنية وفي الاسواق يمثل تهديدا مباشرا للسلم الاهلي، موضحين ان العلاقة بين الجيش وهذه الكتائب مبنية على ضرورة مواجهة عدو مشترك، وهو تحالف هش يفتقر الى رؤية استراتيجية بعيدة المدى.
تغول الميليشيات وتحديات السيطرة
وكشفت التطورات في ولاية الجزيرة ان قوات درع السودان التي يقودها منشقون عن الدعم السريع بدأت تمارس سلطات مطلقة على الارض، مما يثير تساؤلات حول طبيعة الولاءات السياسية والعسكرية لهذه القوات. وشدد ناشطون محليون على ان السكان يعيشون حالة من الرعب في ظل غياب سيادة القانون، حيث تقوم هذه المجموعات باقامة نقاط تفتيش عشوائية وتوقيف المواطنين دون مسوغ قانوني واضح.
واوضح مراقبون ان التاريخ السياسي السوداني حافل بتجارب تفويض الجيش لمهامه الامنية لميليشيات خاصة، وهو ما حدث في دارفور سابقا وما يتكرر الان بصور مختلفة. واضاف محللون ان محاولات القيادة العسكرية للسيطرة على هذه الجماعات تبدو متعثرة، خاصة مع تمسك تلك المجموعات بوجودها المسلح واصرارها على لعب دور سياسي وميداني يتجاوز حدود التنسيق العسكري المباشر.
واكد دبلوماسيون ان الخطر الاكبر يتمثل في بروز شخصيات قيادية طموحة داخل هذه المجموعات، قد تسعى لتكرار تجربة حميدتي في الصعود الى السلطة او فرض امر واقع جديد. واوضحت مصادر مطلعة ان القلق لا يقتصر على المواطنين فحسب، بل يمتد الى اروقة صنع القرار حيث يخشى البعض ان تتحول هذه القوى الى امراء حرب جدد يرفضون الانصياع لاي اوامر مركزية في المستقبل القريب.
مستقبل غامض وصدامات محتملة
وكشفت التطورات الاخيرة في اقليم دارفور عن حدوث انشقاقات واسعة في صفوف الدعم السريع، حيث انضمت مجموعات كبيرة الى الجيش في خطوة اعتبرها البعض مؤشرا على ضعف الطرف الاخر. وبينت التقارير الميدانية ان هذه الانشقاقات قد تزيد من تعقيد المشهد العسكري بدلا من حله، لانها تفرز كيانات مسلحة جديدة ذات اجندات خاصة تبحث عن مكاسب سياسية ومادية.
واشار وزير الدفاع في تصريحاته الاخيرة الى ان قوات الدعم السريع تمر بمرحلة تراجع، الا ان الواقع الميداني يظهر تجدد الاشتباكات في مناطق استراتيجية على الحدود. واضاف خبراء ان الحشود العسكرية المتبادلة في شمال دارفور تنذر بموجة عنف جديدة، مما يجعل البلاد في حالة استنفار دائم ويؤجل اي فرص حقيقية للوصول الى تسوية سياسية شاملة تنهي معاناة الملايين.
واكدت خلود خير ان الشخصيات القيادية المنشقة مثل كيكل باتت تشكل مراكز قوى مستقلة في مناطق سيطرتها، وهو ما يمهد الطريق لنزاعات مستقبلية بين الجيش وحلفائه الحاليين. وبينت ان استمرار هذا التعدد المسلح دون هيكلة واضحة يعني ان السلام في السودان لا يزال بعيد المنال، وان البلاد قد تدخل في دورة جديدة من الحروب الداخلية التي لا تبقي ولا تذر.
