اشتعلت شبكات التواصل الاجتماعي في الأردن بالجدل والتعليق حول جريمتين غير مألوفتين أثارتا الرأي العام وأشعلتا الجدل حول الأسباب التي تدفع إلى ظهور مثل هذه الجرائم، فيما سارع بعض النشطاء والمستخدمين إلى دعوة المؤسسات التعليمية والتربوية والدينية لإعادة تأهيل الناس وحثهم على تسوية مشاكل بالطرق العقلانية.
وخلال أسبوع واحد سجَّل الأردن جريمتي قتل متشابهتين في الظروف والملابسات، حيث حدثت الأولى في مدينة السلط وسط المملكة، والأخرى في مدينة إربد شمالي البلاد، حيث في الجريمتين قام رجل بإطلاق النار من سلاحه الناري صوب ابنه وأرداه قتيلاً، وذلك بسبب خلافات عائلية لم تتضح طبيعتها للرأي العام.
واعتقلت أجهزة الأمن الأردنية الرجلين اللذين قاما بقتل ابنيهما خلال مشاجرة عائلية، وأعلنت بأنها بدأت التحقيق في الجريمتين، من دون أن تكشف عن النتائج الأولية للتحقيق ولا عن أسباب الجريمتين، فيما يبدو أن عدم الإفصاح عن هذه التفاصيل له علاقة بالحفاظ على خصوصية هذ العائلات والحرص على عدم نشر الأسرار العائلية، إلا أن هذا لم يمنع الأردنيين من الحديث والتعليق والجدل على شبكات التواصل الاجتماعي حول هذه الجرائم، والتساؤل عن التغيرات التي يشهدها المجتمع وكيفية حمايته من مثل هذه الآفات. وسرعان ما تداول الأردنيون هذه الأخبار على شبكات التواصل الاجتماعي وأشعلت جدلاً واسعاً وتعليقات متباينة عن أسباب هذه المظاهر الغريبة وغير المسبوقة، فيما استذكر بعض النشطاء حوادث مشابهة في دول عربية مجاورة، وحوادث مشابهة في الأردن ذاته خلال السنوات الماضية، في إشارة إلى أن هذه الجرائم رغم أنها شاذة وغريبة ومستنكرة إلا أنها تحدث في كل مكان وزمان بين الحين والآخر.
جرائم أسرية
ونشر الدكتور كميل ريحاني تدوينة حاول فيها تحليل أسباب الظاهرة، حيث قال: «في أيام قليلة تتوالى أخبار جرائم أسرية تهز الوجدان وتدفعنا إلى سؤال موجع: ما الذي يُمكن أن يحدث داخل الأسرة حتى يتحول الأب الذي يُفترض أن يكون مصدر الأمان والحماية، إلى قاتل لابنه؟ وهل يوجد خلاف مهما كان حجمه يستحق أن تكون نهايته رصاصة أو جثماناً أو أسرة محطمة؟».
وأضاف ريحاني: «تكرار هذه الحوادث سواء بالرصاص أو بوسائل أخرى يستحق وقفة مجتمعية جادة، فقد شهدت منطقة الرصيفة في وقت سابق من هذا العام وفاة فتى متأثراً باعتداء عنيف من والده أثناء خلاف أسري». وخلص الأكاديمي ريحاني إلى القول: «لا يجوز أن نختزل كل هذه الجرائم في تفسير واحد. فقد تتداخل الخلافات الأسرية، والغضب غير المنضبط، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية، والمشكلات النفسية، وسهولة الوصول إلى السلاح، وغياب التدخل المبكر، وليس المقصود هنا تبرير الجريمة بأي حال بل محاولة فهم الطريق الذي يقود اليها حتى نتمكن من قطعه قبل فوات الأوان».
وكتبت الناشطة وفاء حجة تقول: «الناس بطل عندها عزيز وغالي للأسف»، فيما قال عبد الهادي البريك: «أب يقتل ابنه بالمسدس، هذا ليس له سبب وإنما هو انهيار في المجتمع، كل يوم جريمة أبشع، وكل شخص لديه مسدس في بيته يقتل متى ما أراد، هذه كارثة».
وقال حابس أبو رمان معلقاً على الأسئلة المتتالية عن سبب جريمتي القتل التي راح ضحيتها الأبناء برصاص آبائهم: «ما فيه داعي للتحليل، كل حالة ولها ظروفها، ودائماً البيت أسرار. الله يرحمهم ويصبر أهلهم». فيما رد أحد المعلقين على تدوينة أبورمان بالقول: «ما دام البيوت أسرار، إذن لا داعي لنشر الخبر دون ذكر الأسباب وتوضيحها، وذلك احتراماً لكل الأطراف».
وكتبت سلمى مداني: «أياً كان الأمر فيجب أن لا تصل في الأب أن يقتل ابنه، هناك سجون بتأدب، وحتى الدين حرَّم قتل النفس، أما الآن فالأب قاتل ويُحاسب في الدنيا والآخرة»، فيما كتب آخر متفقاً مع مداني: «مهما صار خلاف بينهم، مش لازم توصل لدرجة القتل. الله يرحمه المأسوف على شبابه».
وكتب حسني عودات: «لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، أعان الله عز وجل الأب على ما ابتلي فيه وخفف عنه، ورحم الله الابن وعفى عنه. الشخص الوحيد على الأرض الذي يُفضله الإنسان على نفسه هو إبنه، ويحب أن يراه أفضل منه وبأحسن الأحوالـ«.
وقال إبراهيم يافا: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. والله ما يحدث ليس عادياً، نسألُ الله العظيم أن يهدي الجميع إلى دينه، والله إن غياب الدين وقلة الصلاة جعلت الناس يفقدون صوابهم».
جمع السلاح من المتهورين
وكتب اسماعيل الطريفي: «جمع السلاح من المتهورين أفضل من تركهم يقتلون الناس». فيما قال واصف عناية: «الجريمة في تزايد، والحكومة ولا عبالها، والمواطن بطالة فقر وجوع رحمة بنا يارب».
وقالت ندى داوود: «لا مبررات للقتل، نعوذ بالله من لحظة الغضب ولحظة الشر ونعوذ بالله من قهر الرجال».
أما وليد الطويسات فقال: «اتقوا الله في مصيبة الرجل المصاب في كبده، وهو أعظم الناس وجعاً، وما حدث فاجعة وقدر مقدر لا تملكه الأيدي ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت.. أبو أحمد والد المقتول عرفناه بالتقى والطيبة وحسن الخلق وما جرى قدر فاجع لا يُستهان به ولا يُتخذ للحديث والتسلية، واتركوا الخلق للخالق».
وكانت مديرية الأمن العام قد أعلنت صباح يوم السبت الـ22 من آب/أغسطس 2026 مقتل شاب بالرصاص الذي أطلقه والده باتجاهه في مدينة السلط، إثر خلافات عائلية، حيث تم إسعاف شاب عشريني إلى المستشفى إثر تعرضه لعدة عيارات نارية تلقاها من قبل والده في محافظة البلقاء (السلط) وسط المملكة، بسبب خلاف بينهما، وما لبث أن فارق الحياة وبوشرت التحقيقات.
ولم تكد تمضي أيام قليلة حتى فوجئ الأردنيون بخبر مماثل، حيث توفي شاب في مقتل العمر صباح يوم الأربعاء الـ26 من آب/أغسطس 2026، متأثراً بإصابته بطلق ناري أطلقه عليه والده في محافظة إربد، شمالي المملكة الأردنية الهاشمية، إثر خلافات أسرية نشبت بينهما. وأفادت مديرية الأمن العام، في بيان صحافي، بأنه جرى تقديم الإسعافات الأولية للمصاب ونقله إلى المستشفى لتلقي الرعاية الطبية اللازمة، غير أن المحاولات الطبية باءت بالفشل، حيث فارق الشاب الحياة متأثراً بإصابته البليغة بالعيار الناري.
وأكدت المديرية أن الأجهزة الأمنية ألقت القبض على الأب، وضبطت السلاح المستخدم في الجريمة، فيما باشرت الجهات المختصة التحقيق للوقوف على ملابسات الحادث وأسبابه، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال الواقعة. يشار إلى أن مصر كانت قد شهدت عدداً من الحوادث المشابهة، لكنها لم تكن متقاربة زمنياً كما هو الحال في الأردن، ففي وقت سابق من الشهر الحالي شهدت مدينة مطوبس بمحافظة كفر الشيخ جريمة مروعة عندما أقدم أب على قتل ابنه البالغ من العمر 39 عاماً بساطور إثر مشاجرة بينهما.
وفي كانون الثاني/يناير من العام الحالي قام أب بإنهاء حياة أبنائه الأربعة في مدينة الاسكندرية المصرية، كما شهدت مدينة الدقهلية في أيلول/سبتمبر من العام الماضي مأساة مشابهة عندما أقدم أب على قتل أطفاله الثلاثة وطعن زوجته ثم انتحر بالقاء نفسه تحت عجلات القطار، وفي آب/أغسطس 2024 قام أب مدمن متعافٍ حديثاً في مدينة الاسماعيلية بشنق أطفاله الأربعة أثناء نومهم بعد اصطحابهم في نزهة.
وتثير هذه الجرائم موجة غضب شعبية كلما تداولتها وسائل الإعلام، وسرعان ما تتحول إلى الشغل الشاغل لوسائل الإعلام عند حدوثها، وذلك بسبب كونها غير مألوفة ولا متكررة، إلا أنها أصبحت مثاراً للجدل والنقاش في الآونة الأخيرة، وسط تساؤلات عما يُمكن للأجهزة الحكومية والمؤسسات الأسرية والاجتماعية أن تقوم به من أجل تجنيب المجتمع مزيداً من هذه الأحداث والجرائم.
ـ «القدس العربي»:
