بقلم: الناشطة نانسي بلال السيوري

في كل بيت أردني، هناك شابٌ ينهض كل صباح وهو يحمل في داخله حُلماً لا يشبه اليأس، يحمل شهاداتٍ متراكمة، ومهاراتٍ صقلها بدمه وجهده، وعينين مفتوحتين على العالم الواسع. لكنه حين يمدّ يده نحو المستقبل، يجد أمامه جداراً صامتاً لا يتكسر، جداراً من ثقافةٍ قديمة تصرّ على أن القيادة للكبار فقط، وأن الشباب يجب أن ينتظروا... إلى أن يشيخوا.

نحن نتحدث عن بلدٍ يشكل الشباب فيه النسبة الأكبر من السكان. مفارقةٌ مرعبة: أمةٌ من الشباب تحكمها عقليةٌ تنتمي إلى زمنٍ آخر. لا أحد ينكر خبرة الكبار، لكن الفكرة القاتلة هي تحويل "الخبرة" إلى سجنٍ يُمنع الشباب من دخوله إلا بعد أن يفقدوا طاقتهم. في الأردن، الشاب يُستبعد من مواقع القرار ليس لأنه غير كفء، بل لأن ثقافة "الأقدمية" تحكم المؤسسات بقبضةٍ حديدية. هذه الثقافة لا ترى في الشاب سوى عنصر مخاطرة، بينما ترى في الوجوه القديمة ضماناً وهمياً للاستقرار. وهنا تكمن الكارثة.

حين يُقصى الشباب من القيادة، فإن الوطن كله يدفع الثمن، لا الشباب وحدهم. الهجرة ليست ظاهرة اقتصادية فقط، بل هي تصويتٌ جماعي بحجب الثقة عن وطنٍ لا يفسح المجال. الشباب الأردني الموهوب الذي يتألق في الخليج وأوروبا وأمريكا، لم يهاجر لأنه لا يحب الأردن، بل لأن الأردن لم يحبه بما يكفي. من يغادر من شبابنا لا يغادر بحثاً عن مالٍ فقط، بل يبحث عن كرامةٍ وتقديرٍ وفرصةٍ حقيقية. ومن يبقى، يعيش في انتظارٍ قاتل: انتظار وظيفة لا تأتي، وترقية تُمنح لمن سبقه بالعمر لا بالإنجاز. هذا الانتظار يحوّل الشباب من طاقةٍ جبارة إلى كتلةٍ من الإحباط والغضب الصامت.

لكن الحقيقة الأهم، التي يجب أن تُصاغ بأعلى صوت: الشباب الأردني ليسوا ضعفاء. في الجامعات، هناك مبادراتٌ طلابية تُدار بعقليةٍ تفوق عقلية مؤسسات عريقة. في الشوارع والأحياء، هناك مشاريع صغيرة تتحول إلى قصص نجاح رغم انعدام الدعم. على الإنترنت، هناك محتوى شبابي أردني يصل إلى ملايين ويضاهي الإنتاج العالمي. هؤلاء الشباب لم ينتظروا الإذن من أحد، بل صنعوا طريقهم بأظافرهم. فماذا لو حصلوا على إذنٍ حقيقي؟ ماذا لو فُتحت الأبواب وسُمح لهم بالدخول؟

الحل ليس مطلباً عاطفياً، بل ضرورة وجودية. نحتاج إلى تشريعات صارمة تلزم كل مؤسسة بوجود نسبة شبابية في مواقع القرار، لا كديكور بل كسلطةٍ حقيقية. نحتاج إلى كسر احتكار الكبار للمناصب، لا بإقصائهم بل بفتح المجال أمام الجميع ليتنافسوا على أساس الكفاءة لا العمر. نحتاج إلى أن يدرك الكبار أن تسليم المسؤولية ليس خسارةً لهم، بل إنقاذٌ لمؤسساتهم من التحلل البطيء. ونحتاج إلى تغيير النظرة المجتمعية للشاب: فلم يعد مقبولاً أن يُعامل الشاب وكأنه قاصر حتى بعد أن يحمل الدكتوراه ويقود فريقاً في شركة عالمية.

يا وطن، إن كنت تريد أن تبقى في قلب التاريخ، فلا تخف من شبابك. هم ليسوا ضدك، بل هم وقودك الوحيد. إنهم لا يريدون أن يسلبوا الكبار شيئاً، بل يريدون أن يبنوا ما لم يُبن بعد. إنهم لا يطلبون مقعداً على الطاولة، بل يطلبون أن تُفتح النوافذ ليدخل الهواء النقي. وحين تفتح النوافذ، ستعرف أي قوةٍ كانت مختبئة خلف الجدران. إن الشباب الأردني ليسوا مشروع قادة، بل قادةٌ بانتظار اللحظة التي يصدقهم فيها وطنهم.

لا يحتاج الشباب الأردني إلى شفقةٍ ولا إلى كلماتٍ منمّقة تُقال في المناسبات. ما يحتاجونه هو أن يُنظَر إليهم كشركاء في الحاضر، لا كمشروعٍ مؤجلٍ إلى زمنٍ لاحق. لقد أثبتوا في كل ميدانٍ أنهم قادرون على القيادة، لكن السؤال الذي يبقى معلقًا: هل يملك هذا الوطن الشجاعة ليمنحهم مقعدًا حقيقيًا، أم سيستمر في مراقبتهم وهم يرحلون واحدًا تلو الآخر؟

إن إبعاد الشباب عن القيادة لم يعد رفاهية يمكن السكوت عنها، بل خطيئةٌ استراتيجية تكلف الأردن خيرة أبنائه يومًا بعد يوم. فحين يُغلق الباب في وجه شابٍ طموح، لا يخسر الشاب وحده، بل تخسر الدولة مشروعًا كاملًا كان يمكن أن ينهض بها.

لذلك، لا نقبل أن يظل الشباب "طاقةً معطلة" ولا "احتياطيًا" للطوارئ. نحن هنا، نتعلم، ونعمل، ونقود من حيث لا يرانا أحد. وحين يأتي اليوم الذي تُفتح فيه الأبواب، لن نكون ضيوفًا على طاولة القرار، بل أصحابها. وحين يحدث ذلك، سيكتشف الجميع أن الأردن لم يكن يملك رفاهية تأجيل شبابه كل هذه السنوات.

“نحن لا ننتظر أن نكبر لنقود، نحن نقود الآن… وعلى الوطن فقط أن يلتفت.”