تعيش العاصمة العراقية حالة من الترقب السياسي مع تعثر جهود الحكومة في حصر السلاح بيد الدولة، حيث كشفت مصادر مطلعة أن القوى الفاعلة في التحالف الحاكم وجدت نفسها أمام واقع معقد بعد فشل الرهانات على تسوية شاملة مع الفصائل المسلحة. واظهرت التطورات الأخيرة، لا سيما العمليات العسكرية التي انطلقت من الحدود العراقية، أن موازين القوى لا تزال تميل لصالح الجماعات التي تمتلك ترسانة عسكرية خارج إطار المؤسسات الرسمية. وبينت تقارير ميدانية أن قادة الفصائل نجحوا في تفريغ خطط الحكومة من محتواها، مما جعل السلطة التنفيذية تبدو كمن يدير دفة الحكم في مشهد لا تملك فيه مفاتيح القرار الحقيقي.

واكد مسؤولون في بغداد أن النظام السياسي يمر بمرحلة حرجة تشبه مركبة تسير في منحدر خطير دون كوابح، وسط مخاوف من انهيار التفاهمات الهشة التي تم التوصل إليها. واضافت المصادر أن الاجتماعات المغلقة بين قادة الكتل السياسية لم تفضِ إلى حلول جذرية، بل انتهت بصياغة اتفاقات صورية تضمن بقاء السلاح تحت ذريعة عدم استخدامه في المرحلة الراهنة. واوضحت المعطيات أن هناك ضغوطا إقليمية واضحة تهدف إلى كسب الوقت وتجنب الصدام المباشر مع واشنطن، مع الحفاظ على القوة الضاربة للفصائل كأداة نفوذ استراتيجية.

سيناريوهات التمديد والجدول الزمني

وبينت مسودة اتفاق حصلت عليها أطراف معنية أن هناك توجها لتمديد العمل بجدول زمني يمتد حتى مطلع عام 2028، مما يعني تأجيل ملف حصر السلاح لسنوات طويلة. وشدد مراقبون على أن هذا الجدول يفتقر إلى الضمانات الحقيقية، حيث ربطت الفصائل التزامها بمتغيرات إقليمية، معتبرة أن أي تهديد وجودي لها أو لإيران يمنحها الحق في إلغاء الاتفاق من طرف واحد. واكدت الاجتماعات الأخيرة أن دمج المقاتلين في ألوية الحشد الشعبي سيكون شكليا، مع الاحتفاظ بالهيكلية العسكرية المستقلة لكل فصيل بعيدا عن رقابة الدولة.

وكشفت التحركات السياسية أن رئيس الحكومة علي الزيدي يواجه تحديات جسيمة في محاولته فرض سلطة القانون، خاصة مع وجود انقسام داخل لجنة التفاوض التي تضم شخصيات سياسية مخضرمة. واشار مقربون من القصر الحكومي إلى أن الزيدي بدأ يدرك صعوبة المهمة التي وضع نفسه فيها، مما دفعه لتبني استراتيجية تراجع محسوبة لتجنب انهيار حكومته. وبينت الوقائع أن الفصائل تطلب امتيازات مدنية ومناصب حكومية مقابل القبول بصيغ شكلية لنزع السلاح، وهو ما يراه البعض محاولة لإضفاء شرعية سياسية على وجودها المسلح.

طريق مسدود في بغداد

واضاف المسؤولون أن واشنطن بدأت تبدي استياءها من تعطل الملف، حيث يُنظر إلى سلاح الفصائل كعائق أمام استقرار الدولة وسيادتها. واكد خبير سياسي أن اليأس بدأ يتسرب إلى الدوائر الدبلوماسية، مع وجود قناعة بأن بغداد فقدت السيطرة على تحجيم نفوذ الجماعات المسلحة التي تتلقى دعما خارجيا مباشرا. واوضحت التحليلات أن أي محاولة للضغط قد تؤدي إلى نتائج عكسية، مما يجعل خيار التهدئة المؤقتة هو المسار الوحيد المتاح حاليا رغم مخاطره طويلة الأمد.

وبينت آخر الاجتماعات أن الفصائل متمسكة بشروطها القاسية، رافضة تقديم تنازلات حقيقية تمس كيانها العسكري. وشدد القياديون في تلك الفصائل على أن سلاحهم يمثل استحقاقا ميدانيا فرضته ظروف محاربة التنظيمات المتطرفة في السابق، ولا يمكن التخلي عنه بسهولة. واكدت المصادر أن المشهد العراقي سيبقى رهينة لهذه التوازنات المعقدة، حيث لا يلوح في الأفق حل جذري ينهي ظاهرة السلاح المنفلت ويحقق سيادة الدولة بشكل كامل.