في مواقع المسؤولية، لا تكفي الخبرة وحدها، ولا تصنع الألقاب صورة المسؤول لدى الناس. ما يبقى في النهاية هو السيرة، وطريقة إدارة الملفات، والقدرة على تحمل المسؤولية في الأوقات التي تكون فيها القرارات الاقتصادية أكثر حساسية من أي وقت مضى.

ومن هذا المنطلق، يبرز اسم عادل شركس، محافظ البنك المركزي الأردني، باعتباره واحدًا من المسؤولين الذين ارتبط حضورهم في موقعهم بالهدوء والانضباط والحرص على أداء المسؤولية بعيدًا عن الضجيج.

شركس ليس من الشخصيات التي تبحث عن الأضواء، فطبيعة عمله تفرض أن تتحدث الأرقام والسياسات والنتائج قبل التصريحات. وفي مؤسسة بحجم البنك المركزي، حيث ترتبط القرارات بالقطاع المصرفي والاستقرار النقدي والاقتصاد الوطني، تصبح الدقة والأمانة والقدرة على اتخاذ القرار صفات أساسية لا يمكن الاستغناء عنها.

والأمانة في هذا الموقع لا تعني فقط النزاهة الشخصية، بل تعني أيضًا التعامل مع المال العام والمصلحة الاقتصادية للدولة بمنتهى المسؤولية، والابتعاد عن القرارات التي تحكمها الحسابات الآنية، والنظر إلى آثار السياسات النقدية على الاقتصاد والمواطن والقطاع المصرفي على حد سواء.

وخلال وجوده في قيادة البنك المركزي، حافظ شركس على صورة المسؤول الاقتصادي الذي يتعامل مع الملفات الحساسة بعقلية مؤسسية، مستندًا إلى أدوات البنك المركزي وخبراته المتراكمة، لا إلى ردود الفعل أو الخطابات الشعبوية.

ولعل أكثر ما يلفت في شخصية المسؤول الذي يتولى منصبًا كهذا هو أن نجاحه لا يقاس بعدد التصريحات التي يدلي بها، وإنما بمدى المحافظة على الثقة والاستقرار في مؤسسة يفترض أن تعمل باستقلالية ومهنية.

الأردن، كغيره من الاقتصادات، يواجه تحديات وضغوطًا متغيرة، من التضخم وأسعار الفائدة إلى حركة الأسواق والظروف الإقليمية. وفي مثل هذه البيئة، تحتاج المؤسسات الاقتصادية إلى مسؤولين يدركون أن القرار النقدي ليس مجالًا للمغامرة، وأن الثقة تُبنى عبر سنوات طويلة ويمكن أن تتأثر بقرار واحد.

وهنا تحديدًا تكمن قيمة الإدارة الهادئة؛ أن يكون المسؤول حاضرًا عندما يتطلب الأمر، وأن يترك للمؤسسة وأدواتها أن تتحدث، وأن يضع استقرار الاقتصاد في مقدمة الاعتبارات.

قد يختلف الاقتصاديون والمراقبون في تقييم بعض السياسات والقرارات، وهذا أمر طبيعي في الشأن الاقتصادي، لكن الحديث عن المسؤولية العامة يظل مرتبطًا أيضًا بصورة المسؤول وسلوكه في موقعه. وفي حالة عادل شركس، فإن الهدوء والابتعاد عن الاستعراض، إلى جانب الخبرة المصرفية والمؤسسية، شكّلا جزءًا واضحًا من حضوره العام.

الرجل الأمين ليست عبارة ينبغي أن تكون مجرد مديح عابر لمسؤول، وإنما صفة تكتسب معناها الحقيقي عندما تقترن بالمسؤولية والشفافية واحترام المؤسسة والمصلحة العامة.

وفي النهاية، ربما تكون أفضل شهادة لمسؤول اقتصادي هي أن يغادر مكتبه يومًا ويترك خلفه مؤسسة أكثر قوة واستقرارًا وثقة. فالمناصب مؤقتة، أما أثر الإدارة الرشيدة فيبقى.

وعادل شركس، بما يمثله موقعه وخبرته ومسؤوليته، يقف اليوم في واحدة من أكثر النقاط حساسية في الاقتصاد الأردني؛ حيث لا مجال للمبالغة، ولا مكان للقرارات المرتجلة، وحيث تبقى الأمانة والاستقلالية والمهنية أساسًا لأي مسؤول يريد أن يترك أثرًا محترمًا في مؤسسات الدولة.