تستحوذ على 60% من موجودات الضمان؛

مخاطر التركّز الاستثماري في ديون الضمان على الحكومة والتقليص التدريجي

​تشير البيانات المالية الأخيرة المتعلقة بالدين العام إلى نقطة تحوّل مهمة في منظومة الأمان الاجتماعي واستثمارات أموال الضمان، فقد وصلت ديون الحكومة لصالح مؤسسة الضمان الاجتماعي إلى نحو 12 مليار دينار أردني، وهو ما يمثّل 60% تقريباً من إجمالي موجودات الضمان.

​هذا الرقم ليس مجرد مؤشر مالي محاسبي، بقدر ما يؤشّر إلى حالة غير صحية من "التركّز المحفظي" (Portfolio Concentration) التي تخالف أبسط قواعد الحوكمة والتنوع الاستثماري لأموال صندوق الضمان.

وهنا أركّز على النقاط المهمة التالية:

​أولاً: مخاطر التركّز المالي وتضخم الدين الحكومي:
​ذلك أن  تخصيص نحو 60%  من موجودات صندوق الضمان لصالح أداة استثمارية واحدة وهي سندات وأذونات الخزانة الحكومية، يضع أموال المشتركين والمتقاعدين أمام مخاطر هيكلية متعددة منها:

١-  ​انعدام التنوع (Diversification Deficit): القاعدة الاستثمارية المعروفة تنص على عدم "وضع البيض كله في سلة واحدة". الاعتماد المفرط على الأدوات الحكومية يجعل ملاءة الضمان الاجتماعي مرتبطة تماماً بالوضع المالي للخزينة اوالمديونية العامة، ويعرضها لحساسية الدين العام الحكومي.

٢-  ​مخاطر السيولة والتعثر: رغم أن السندات الحكومية تُصنف عموماً كأصول منخفضة المخاطر من حيث التعثر المباشر، إلا أن التوسع المفرط في الاقتراض الحكومي من أموال الضمان يحوّل الصندوق عملياً إلى ممول العجز الإجرائي أو التشغيلي للحكومة، مما يضعف مرونة الصندوق في تسييل أصوله عند مواجهة أي التزامات تأمينية طارئة.

٣- ​تراجع العائد الحقيقي: عائد السندات الحكوميةغالباً ما يكون ثابتاً ومحدوداً، ومع احتساب معدلات التضخم وتراجع القوة الشرائية للعملة عبر العقود، قد يصبح العائد الحقيقي الصافي غير كافٍ لمواجهة الالتزامات المستقبلية المترتبة على الصندوق تجاه الأجيال القادمة.

​ثانياً: خطة الاستجابة المطلوبة: (التخفيض إلى 35% خلال 7 سنوات):

​لتفادي أي اختلالات تأمينية أو مالية مستقبلاً، أصبحت الحاجة ماسة لاتخاذ قرارات جريئة ومدروسة من قبل الحكومة ومجلس إدارة مؤسسة الضمان الاجتماعي منها إيقاف الاكتتاب الجديد، وهذا يحتم دعوة الحكومة والصندوق فوراً إلى وقف اكتتاب صندوق استثمار أموال الضمان في السندات الحكومية الجديدة، للحد من التضخم المستمر لهذه المحفظة، وهذا أيضاً يتطلب إعادة هيكلة المحفظة تدريجياً، بحيث يتم خفض نسبة محفظة السندات الحكومية من 60% حالياً لتصل إلى سقف لا يتجاوز 35% من إجمالي موجودات الصندوق. على ان يتم ذلك في​إطار زمني محدد عبر خطة استراتيجية تدريجية ومحكمة لا تتجاوز 7 سنوات، بما يضمن عدم إحداث إرباك لسوق السندات "أدوات الدين الحكومية"، وفي الوقت نفسه يعيد التوازن المطلوب للسياسة الاستثمارية للصندوق.

​ثالثاً: توجيه الأموال نحو المشاريع الوطنية الكبرى
​إن خروج أموال الضمان التدريجي من محفظة السندات يوفر سيولة مالية ضخمة يُفترض إعادة توجيهها نحو المشاريع الوطنية الاستراتيجية المجدية، والتي تحقق ما يلي:

١) ​عائد استثماري أعلى وأكثر أماناً: الاستثمار في قطاعات حيوية مثل: الطاقة المتجددة، المياه، التعدين، التكنولوجيا، والبنية التحتية الحيويّة، الذكاء الاصطناعي مما يوفر عوائد مجزية تفوق عوائد السندات التقليدية.

٢) ​قيمة مضافة للاقتصاد الوطني: تحويل الأموال من "استثمار ديني سلبي" إلى "استثمار تنموي مادي" يحرك عجلة النمو الاقتصادي ويرفع من الناتج المحلي الإجمالي.

٣) ​توليد فرص العمل وخلق حلقة تأمينية مكتملة: استثمار الأموال في مشاريع تشغيلية يخلق آلاف فرص العمل للشباب الأردني، ما يضمن تدفقهم تلقائياً كمشتركين جدد في مظلة النظام التأميني لمؤسسة الضمان، مما يدعم الإيرادات التأمينية للصندوق ويسهم في استدامته.  

​
اخيراً، لا بد من تأكيد المؤكّد بأن أموال الضمان الاجتماعي هي مدخرات شعب وعهد لجيل الحاضر والمستقبل، وليست أدوات لسد العجز المالي التراكمي. ولعل تحديد سقف لمساهمة السندات الحكومية بـ 35% خلال 7 سنوات واستثمار الباقي في الاقتصاد الحقيقي ليس مجرد مطالبة مالية، بل هو ضرورة تأمينية واكتوارية لحماية شبكة الأمان والحماية الاجتماعية التأمينية وضمان استدامتها على مدى الأجيال.

(سلسلة توعوية تنويرية اجتهادية تطوعيّة تعالج موضوعات الضمان والحماية الاجتماعية، وتبقى التشريعات هي الأساس والمرجع- يُسمَح بنقلها ومشاركتها أو الاقتباس منها لأغراض التوعية والبحث مع الإشارة للمصدر).

خبير التأمينات والحماية الاجتماعية

الحقوقي/ موسى الصبيحي