يواجه سكان جنوب لبنان تحديات اقتصادية ومعيشية جديدة مع اقتراب موعد تقليص مهام قوة الامم المتحدة المؤقتة في لبنان المعروفة باسم اليونيفيل، اذ لم يعد الامر مقتصرًا على الجوانب الامنية والعسكرية فحسب بل امتد ليشمل تهديدًا مباشرًا لاستقرار مئات العائلات التي تعتمد في دخلها اليومي على الوجود الدولي في المنطقة. وتكشف المعطيات الميدانية ان هذا الانسحاب التدريجي المرتقب يضع سوق العمل المحلي امام اختبار صعب، خاصة في ظل اعتماد قطاعات واسعة من الشركات الصغيرة والمؤسسات الخدماتية على العقود المبرمة مع البعثة الدولية لتأمين استمراريتها.
واظهرت التقديرات ان الاثار السلبية لن تتوقف عند الموظفين المباشرين، بل ستطال سلسلة التوريد والخدمات اللوجستية التي كانت تشكل شريان حياة للعديد من البلدات الحدودية التي تعاني اصلا من تبعات الازمات المتلاحقة. واكد مراقبون ان فقدان هذا المصدر المالي الثابت يمثل ضربة موجعة للقدرة الشرائية للاسر، مما يفاقم من حدة الازمة الاجتماعية في مناطق لطالما كانت تعول على هذه الوظائف لتجاوز تداعيات الركود الاقتصادي العام.
وبينت الناطقة باسم البعثة كانديس ارديل ان هناك نحو اربعمئة موظف محلي يعملون حاليا ضمن صفوف القوات الدولية، حيث يتوزع هؤلاء بين مهام تقنية وادارية وامنية واعلامية دقيقة. واضافت ان معظم هؤلاء الموظفين يقيمون بشكل دائم في القرى الجنوبية، مما يعني ان اي قرار يتعلق بتقليص حجم البعثة سيترجم مباشرة الى ارتفاع في معدلات البطالة المحلية مع بداية العام الجديد.
تداعيات مالية واسعة على الاقتصاد اللبناني
واوضح الخبير الاقتصادي جاسم عجاجة ان الخسائر الناتجة عن هذا الانسحاب لن تكون محصورة في النطاق الجغرافي للجنوب، بل ستترك ندوبًا في الاقتصاد الوطني ككل. وشدد على ان تدفقات العملات الاجنبية ستشهد تراجعا ملموسا يقدر بعشرات ملايين الدولارات سنويا، وهو مبلغ كان يضخ في السوق عبر رواتب الموظفين وعقود الموردين والمحلات التجارية والمطاعم المحلية التي تعتمد كليا على الانفاق الدولي.
واكدت البيانات الاقتصادية ان التقديرات تشير الى خسارة مباشرة في تدفقات العملة الصعبة تتراوح بين 45 و55 مليون دولار سنويا، فضلا عن فقدان اجور الموظفين اللبنانيين التي تقدر بملايين الدولارات الاخرى. واضاف ان الانسحاب سيحمل الخزينة اللبنانية اعباء تشغيلية اضافية، نتيجة اضطرار الجيش اللبناني لسد الفجوات اللوجستية التي كانت تغطى سابقا من خلال التعاون مع القوات الدولية.
وبينت التحليلات ان القطاع العقاري في مناطق مثل الناقورة وصور ومرجعيون سيكون الاكثر تضررا، حيث يتوقع ان يؤدي الغاء عقود الايجار لموظفي البعثة الى انخفاض حاد في قيمة الاصول العقارية التجارية والسكنية. وشدد عجاجة على ان هذه التطورات تفرض على الجهات المعنية ضرورة البحث عن بدائل سريعة لحماية العمالة المحلية من الانزلاق نحو فقر مدقع بعد توقف النشاط المرتبط بوجود قوات حفظ السلام.
