شهدت الاونة الاخيرة تحولا لافتا في سلوك جيل الشباب الذين قرروا بشكل جماعي تقليص وجودهم الرقمي والهروب من ضغوط العالم الافتراضي. اتخذ مدير الحسابات الامريكي مات ريتشاردز خطوة جريئة بحذف كافة تطبيقات التواصل الاجتماعي من هاتفه بعد ان لاحظ سيطرة المحتوى الرديء وتفاقم ضغوط المقارنات الحياتية المحبطة التي يفرضها المؤثرون. واكد ريتشاردز ان هذه الخطوة جاءت استجابة لحالة من الارهاق الرقمي التي يعاني منها الكثيرون من ابناء جيله الذين يبحثون عن مخرج من قبضة الخوارزميات.
واضاف ريتشاردز انه بعد مشاركة تجربته عبر منصة مهنية تلقى مئات الردود من اشخاص يشاركونه الرغبة في استعادة السيطرة على حياتهم الواقعية. وبين ان هؤلاء الشباب بدأوا يستبدلون هواتفهم الذكية باجهزة قديمة والعودة الى ممارسة هوايات ملموسة مثل قراءة الكتب والاستماع الى الموسيقى عبر وسائط تقليدية. واوضح ان الناس في السابق كانوا يلجؤون للهواتف للهروب من الواقع بينما اصبح الاتجاه اليوم هو الهروب من الهواتف للعيش في العالم الحقيقي.
وشدد الخبراء على ان هذه الظاهرة تعكس رغبة عميقة في التحرر من التبعية الرقمية التي اصبحت تستهلك جزءا كبيرا من وقت الشباب. واشاروا الى ان الابتعاد عن الوضع المتصل بالانترنت اصبح يمثل نمط حياة جديدا يمنح صاحبه شعورا اكبر بالثقة بالنفس والتميز. وكشفت الدراسات ان التوجه نحو البقاء خارج الشبكة لم يعد مجرد تصرف فردي بل اصبح تيارا يجذب فئات عمرية واسعة تسعى للتحرر من قيود العالم الرقمي.
موجة الابتعاد عن الانترنت تقودها الشخصيات المؤثرة
وتصدرت مؤثرة الجيل زد ايما تشامبرلين المشهد بدعوتها الصريحة للتوقف عن الانغماس في العالم الرقمي. واكدت في تصريحاتها ان الجميع وصلوا الى حالة من التشبع والملل من التواجد الدائم على الانترنت. وبينت ان الابتعاد عن المنصات اصبح ضرورة ملحة للحفاظ على الصحة العقلية بعد ان وصلت الضغوط الى مستويات غير محتملة.
واضافت تشامبرلين انها بدات فعليا في استخدام اجهزة قديمة للاستماع للموسيقى بعيدا عن الهواتف الحديثة. واظهرت التحليلات ان هناك طفرة في المحتوى الذي يشجع على حذف التطبيقات والانخراط في التفاعل المباشر بين الافراد. واوضحت البيانات ان نسبة كبيرة من الشباب في بريطانيا ودول اخرى قاموا بالفعل بحذف حساباتهم خلال العام المنصرم بحثا عن مساحة اكثر هدوءا.
واشار خبراء تقنيون الى ان متوسط الوقت الذي يقضيه البالغون على منصات التواصل سجل انخفاضا ملموسا في الاونة الاخيرة. واكدت الارقام ان التراجع في استخدام هذه المواقع كان اكثر وضوحا بين المراهقين والشباب الذين فضلوا تقليص ساعات التصفح اليومي. وبينت التحليلات ان هذا الانخفاض يعكس تغيرا جذريا في اولويات المستخدمين الذين بدأوا يدركون الاثر السلبي للارتباط الدائم بالانترنت.
الشباب يواجهون هيمنة الاعلانات والعدائية الرقمية
وبين الباحث جيسون دورسي ان البيئة الرقمية اصبحت طاردة بسبب تزايد مظاهر الانقسام والعدائية التي تسيطر على المحادثات العامة. واضاف ان الشباب اصبحوا اكثر وعيا تجاه الاعلانات التي تغرق منصاتهم وتستنزف انتباههم بشكل غير مسبوق. واوضح ان هذه العوامل دفعت الاجيال الشابة للبحث عن بدائل توفر لهم قدرا اكبر من الخصوصية والتحكم في حياتهم اليومية.
واكدت رائدة الاعمال لاسي ستايس ان التدفق الهائل للمعلومات يعيق قدرة الافراد على التفكير العميق والتامل الذاتي. وكشفت ان الكثيرين اصبحوا يمنحون قيمة واهمية لاشياء لا تهمهم في الواقع بفعل تاثير الخوارزميات. وبينت ان الوعي بهذا الفخ هو ما يدفع الكثيرين حاليا لتقليل تواجدهم الرقمي والتركيز على العلاقات الحقيقية.
واشار ريتشاردز الى ان الهالة التي كانت تحيط بالمؤثرين ومن يمتلكون عددا كبيرا من المتابعين قد بدات في التلاشي. واضاف ان الاشخاص غير المتصلين بالانترنت اصبحوا ينظر اليهم كشخصيات اكثر جاذبية واثارة للاهتمام. واوضحت مديرة الحسابات جوليانا سالغويرو ان فقدان هذه المنصات لبريقها يرجع الى طغيان المحتوى التجاري على حساب التفاعل البشري العفوي.
نمط حياة جديد يعيد تعريف الاتصال
وقالت سالغويرو ان الهدف من هذه الثورة الهادئة ليس الانعزال التام او التخلي عن التكنولوجيا بشكل كامل. واضافت ان الامر يتعلق باعادة ضبط العلاقة مع الجهاز واستخدامه بوعي اكبر بعيدا عن التصفح القهري. واوضحت ان التكنولوجيا تظل جزءا مهما في التعليم والتسوق ولكنها لا يجب ان تكون المتحكم الوحيد في تفاصيل يومنا.
واكد الخبراء ان هذا التحول يمثل عودة الى الطريقة التي كان يستخدم بها الناس الانترنت سابقا. وبينوا ان المستخدمين اصبحوا يفضلون نشر ما يهمهم فقط للاصدقاء ثم المغادرة لقضاء وقت ممتع في الحياة الواقعية. واضافت ان الانشغال بالحياة الحقيقية اصبح هو الهدف الاسمى للشباب الذين يرفضون ان تكون حياتهم مجرد محتوى للاستهلاك الرقمي.
واشار التقرير الى ان الشركات التقنية تواجه اليوم ضغوطا هائلة لاعادة النظر في نماذج اعمالها التي تعتمد على ابقاء المستخدم لاطول فترة ممكنة. واكد ان التوجه نحو حياة اقل اتصالا سيفرض على هذه المنصات تغيير استراتيجياتها لتواكب هذا الوعي الجديد لدى جيل الشباب. وبينت النتائج ان المستقبل سيكون لمن يستطيع الموازنة بين الفوائد التقنية والاحتياجات الانسانية الاساسية.
