شهدت مدينة الخليل ليلة دامية حين اقتحمت قوات الاحتلال حي دير بحة الواقع في الطرف الشمالي الغربي، حيث اجبرت السكان على الخروج من منازلهم تحت تهديد السلاح في ساعة متاخرة. لم يمنح الجنود العائلات فرصة لاخذ مقتنياتهم الشخصية او وثائقهم، مما ترك الالاف من المدنيين في حالة من الصدمة والضياع، حيث اضطرت الطالبة ايات الشويكي لمغادرة منزلها دون كتبها المدرسية التي كانت تستعد بها لعامها الدراسي المصيري. واظهرت المشاهد الميدانية حالة من الفزع سيطرت على الاطفال والنساء وكبار السن الذين وجدوا انفسهم مشردين في شوارع المدينة دون وجهة محددة.
واضاف المواطن تحسين الجعبة، وهو اب لثلاثة اطفال، ان عائلته خرجت من المنزل بملابسها فقط، مؤكدا ان اطفاله لا يزالون يعانون من نوبات فزع ليلي بسبب تلك اللحظات القاسية. وبين ان التضامن الشعبي كان الملاذ الوحيد، حيث فتح الاهالي بيوتهم لاستقبال العائلات المهجرة، مما خفف من وطاة المعاناة التي فرضها الاحتلال بالقوة. واكد ان الشعور بالامان داخل بيوت الاقارب والجيران كان اقوى من اي بديل اخر، رغم الحسرة على ترك الاغراض والممتلكات الشخصية في المنازل المحاصرة.
وتابع السكان رحلة النزوح القسري نحو الاحياء القريبة مثل حي عيصى، حيث استقبلت العائلات الفلسطينية اقاربها بكل مودة وتقدير. واوضح المواطنون ان هذه الاستجابة السريعة من المجتمع المحلي عكست متانة الروابط الاجتماعية في الخليل، واثبتت ان الشعب قادر على الصمود رغم محاولات الترهيب. وشدد الاهالي على ان الحاجة للمساعدة لا تزال قائمة، خاصة في ظل فقدانهم لكل احتياجاتهم الاساسية من ملابس ومستلزمات يومية.
تكاتف اجتماعي يفرغ مراكز الايواء
وبين رئيس بلدية الخليل يوسف الجعبري ان مراكز الايواء التي تم تجهيزها رسميا لم تستقبل احدا، وذلك بفضل التكافل الاجتماعي الكبير بين السكان. واوضح ان كافة المهجرين وجدوا حاضنة دافئة لدى اقاربهم في مختلف احياء المدينة، مما جعل المراكز فارغة من النازحين. واكد ان هذا التكاتف هو رسالة صمود قوية في وجه السياسات الاحتلالية التي تهدف الى تفتيت النسيج المجتمعي.
واشار الجعبري الى ان البلدية تواصل العمل على توفير المساعدات العينية والنقدية للعائلات المتضررة، نظرا لفقدانهم كل ما يملكون في منازلهم. واضاف ان الاحتياجات الاساسية للاطفال والنساء تتصدر قائمة الاولويات في هذه المرحلة الصعبة. واكد ان البلدية ستظل في حالة طوارئ مستمرة لمتابعة اوضاع المهجرين وتلبية احتياجاتهم اليومية حتى زوال هذا الظرف الاستثنائي.
وكشفت معطيات بلدية الخليل ان عدد الاسر المهجرة بلغ نحو 980 اسرة، تضم الاف الافراد من بينهم رضع ونساء حوامل ومرضى ومسنون. واكدت التقارير الميدانية ان العملية العسكرية لم تقتصر على التهجير، بل شملت حملة اعتقالات واسعة وعمليات تفتيش دقيقة للممتلكات. وبينت ان الوضع الانساني يتطلب تدخلا عاجلا لحماية هذه الفئات الهشة وتوفير مستلزمات الحياة الكريمة لهم في ظل ظروف الحصار القاسية.
حصار شامل يقطع اوصال المدينة
وافادت لجنة المساندة والاغاثة في المحافظة بانها تواصل توزيع المساعدات لليوم الثاني على التوالي، حيث وصلت المساعدات لمئات العائلات حتى الان. واوضحت اللجنة ان جهودها مستمرة بالتنسيق مع كافة الجهات الاهلية والرسمية لتغطية احتياجات جميع المتضررين. وشددت على ان الحملة تهدف الى تعزيز صمود الناس وتخفيف اعباء الحصار المفروض على المدينة.
واكدت مصادر ميدانية ان الاحتلال يفرض طوقا امنيا مشددا على مداخل الخليل الرئيسية والقرى المحيطة بها، مما ادى الى تعطيل القطاعات الانتاجية ونقص حاد في امدادات الوقود. وبينت ان هذه القيود عرقلت ايضا الخدمات العامة، بما في ذلك تراكم النفايات وتوقف حركة النقل. واضافت ان الخليل تعاني من شبكة معقدة من الحواجز التي تقطع اوصالها وتجعل الحياة اليومية لاكثر من 900 الف نسمة عملية بالغة الصعوبة.
واظهرت الاحصائيات ان هناك نحو 221 حاجزا وعائقا في محافظة الخليل وحدها، مما يعكس حجم الضغط الذي يمارسه الاحتلال على السكان. واكد مراقبون ان هذه السياسة تهدف الى خنق المدينة اقتصاديا واجتماعيا، الا ان صمود الاهالي وتضامنهم يظل العقبة الاكبر امام هذه المخططات. وخلصت التقارير الى ان استمرار الحصار يهدد بوقوع كارثة انسانية اذا لم يتم التحرك دوليا لرفع القيود عن المدينة.
