تتنامى في الاونة الاخيرة سياسات الابعاد التي تفرضها سلطات الاحتلال بحق المقدسيين، وهي ممارسات لم تعد تقتصر على حالات فردية بل تحولت الى نهج منظم يستهدف تقليص الوجود الفلسطيني داخل المسجد الاقصى والبلدة القديمة. كشفت التقارير الميدانية عن تصعيد خطير في وتيرة هذه القرارات التي تطال حراس المسجد، وموظفي الاوقاف، والخطباء، والناشطين، والمرابطين، بهدف ضرب النسيج الديني والوطني الذي يحمي هوية المدينة ومقدساتها.
واظهرت بيانات محافظة القدس ان الربع الثالث من العام الحالي شهد طفرة غير مسبوقة في اعداد المبعدين، حيث تم تسجيل عشرات القرارات التي استهدفت المسجد الاقصى بشكل مباشر. واوضحت الارقام ان شهر ايلول وحده سجل قفزة نوعية في هذه القرارات، مما يشير الى وجود خطة مبيتة لافراغ المكان من الشخصيات المؤثرة والفاعلة التي تقف سدا منيعا امام محاولات تغيير الواقع التاريخي والقانوني للمسجد.
وبينت التحليلات ان توقيت هذه القرارات يتزامن غالبا مع مواسم الاعياد العبرية، مما يؤكد ان الهدف هو تسهيل اقتحامات المستوطنين وتأمين غطاء امني لفرض طقوسهم داخل الساحات بعيدا عن اعين الحراس والشهود الفلسطينيين. واكدت الوقائع الميدانية ان الابعاد لم يعد اجراء عقابيا مؤقتا، بل اصبح اداة لهندسة ديموغرافية وجغرافية تهدف الى عزل المقدسيين عن عمقهم الديني والاجتماعي.
مخاطر الابعاد على الهوية الدينية للمسجد الاقصى
وشدد خبراء قانونيون على ان سياسة الابعاد تتناقض بشكل صارخ مع القوانين الدولية واتفاقية جنيف الرابعة، التي تضمن حق العبادة وحرية التنقل للسكان تحت الاحتلال. واوضحت الدراسات ان منع الخطباء والموظفين من الوصول الى اماكن عملهم يعد انتهاكا جسيما يمس جوهر حرية المعتقد، ويحاول تقويض عمل دائرة الاوقاف الاسلامية الاردنية التي تدير شؤون المسجد.
واضافت المصادر ان هذا الاستهداف يمتد ليشمل البلدة القديمة بكاملها، حيث يتم فرض قيود جغرافية تمنع الافراد من الوصول الى محيط المسجد، مما يؤدي الى تفتيت الروابط الاجتماعية والاقتصادية التي حافظت على صمود المقدسيين لعقود. واكدت ان هذه السياسة تخلق واقعا جديدا يسعى الى تكريس التقسيم المكاني والزماني عبر تقليص الحضور البشري الفلسطيني تدريجيا.
وكشفت حالات فردية تم رصدها مؤخرا، مثل ابعاد شخصيات دينية بارزة، عن تعسف واضح في استخدام القوة الامنية لتكميم الافواه ومنع اي صوت يعارض مخططات التهويد. وبينت ان هذه القرارات غالبا ما تكون مصحوبة بكفالات مالية باهظة وقيود صارمة، مما يضع المبعدين تحت ضغط نفسي واقتصادي مستمر يهدف الى كسر ارادتهم.
التبعات القانونية والضرورة الدولية للتدخل
واوضحت التقارير ان الصمت الدولي تجاه هذه الانتهاكات يمنح سلطات الاحتلال ضوءا اخضر للاستمرار في نهجها التوسعي. واكدت ان المطلوب ليس مجرد ادانات شكلية، بل تحرك فاعل يضمن حماية الموظفين والحراس والحفاظ على الوضع القائم، باعتبار ان المسجد الاقصى بكامل مساحته البالغة 144 دونما هو وقف اسلامي خالص.
واضافت ان الابعاد يمثل حلقة في سلسلة طويلة من الاجراءات التي تستهدف تفريغ المدينة من سكانها الاصليين، مما يستدعي توثيق هذه الانتهاكات وتقديمها للمحافل الدولية. وبينت ان المواثيق الدولية، بما فيها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، تفرض على سلطات الاحتلال الالتزام بمعايير الضرورة والتناسب، وهو ما تفتقر اليه قرارات الابعاد الحالية.
وختمت المتابعات بان التحدي الاكبر يكمن في قدرة المقدسيين على الصمود في وجه هذه الضغوط، رغم محاولات العزل الممنهجة. واكدت ان الحفاظ على حضور المصلين والمرابطين هو الضمانة الوحيدة لافشال مخططات السيطرة على الاقصى، مما يجعل من دعم الوجود الفلسطيني في القدس اولوية قصوى لحماية المقدسات من التغول الاستيطاني.
