تمكين الموظفين في ظل النصوص… حين تُهزم العدالة بين القانون والتطبيق

{clean_title}
الشريط الإخباري :  

 

بقلم: مؤيد أحمد المجالي

في الأردن، لا تعاني الإدارة العامة من فراغ تشريعي يبرر غياب العدالة الوظيفية، بل على العكس تمامًا؛ فالنصوص القانونية تبدو، في ظاهرها، منحازة بوضوح لمبادئ تكافؤ الفرص والجدارة.
غير أن المعضلة الحقيقية لا تكمن في النص… بل في المسافة الخطيرة بين النص والتطبيق.
ينص نظام إدارة الموارد البشرية في القطاع العام الأردني على مجموعة من المبادئ التي تحكم الوظيفة العامة، وفي مقدمتها العدالة، وتكافؤ الفرص، والجدارة في التعيين والترقية. كما تؤكد تعليمات الموارد البشرية الصادرة بموجبه على اعتماد معايير واضحة في التقييم والترفيع، قائمة على الأداء والكفاءة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا:
إذا كانت النصوص واضحة… فمن أين يأتي الخلل؟
الجواب الصريح:
الخلل لا يُولد في القانون، بل في تأويله وتطبيقه وانتقائيته.
فالتمكين، كما يُطرح في الخطاب الرسمي، يُفترض أن يكون امتدادًا طبيعيًا لهذه المبادئ القانونية. غير أن ما يحدث في كثير من الأحيان هو العكس تمامًا: يتم استدعاء "التمكين" كعنوان عام، بينما تُفرَّغ مضامينه من محتواها القانوني، ليصبح أداة مرنة تُستخدم وفق موازين غير معلنة.
إن مبدأ "تكافؤ الفرص" في القانون الإداري الأردني ليس شعارًا أخلاقيًا، بل التزام قانوني ملزم. وأي انحراف عنه - سواء في التعيين أو الترقية أو التدريب - يُعد، من حيث الأصل، إخلالًا بمبدأ المشروعية، وقد يرقى إلى مستوى إساءة استعمال السلطة.
ومع ذلك، نرى واقعًا تُمنح فيه الفرص أحيانًا عبر قنوات غير رسمية، وتُصاغ فيه نتائج التقييم بطريقة تُبقي الباب مفتوحًا للتقدير الشخصي، لا للمعيار الموضوعي. هنا يتحول التمكين من أداة لتنفيذ القانون، إلى وسيلة للالتفاف عليه.
بل الأخطر من ذلك، أن غياب الشفافية في تطبيق نصوص مثل تلك الواردة في نظام إدارة الموارد البشرية في القطاع العام الأردني يجعل من الصعب على المتضرر إثبات حقه، لأن الانحراف لا يكون صريحًا، بل مغلفًا بإجراءات تبدو قانونية من الخارج، لكنها منحرفة في جوهرها.
وهنا نصل إلى لبّ الإشكالية:
التمكين لا قيمة له خارج سيادة القانون.
فلا يكفي أن تُنظم الدورات، ولا أن تُمنح الصلاحيات، إذا كانت قواعد الوصول إلى هذه الفرص نفسها غير خاضعة لرقابة حقيقية. لأن العدالة الوظيفية، في مفهومها القانوني، لا تتحقق بإتاحة الفرص نظريًا، بل بضمان وصولها الفعلي للجميع دون تمييز.
إن أي حديث عن تمكين الموظفين في الأردن، دون ربطه بآليات مساءلة حقيقية، هو حديث ناقص. فالنصوص موجودة، والمبادئ واضحة، لكن ما ينقص هو تفعيل الرقابة الإدارية والقضائية على كيفية توزيع الفرص.
وهنا يبرز دور القضاء الإداري، الذي يُفترض أن يكون الحارس الأمين لمبدأ المشروعية، في مواجهة أي قرار إداري ينطوي على تمييز أو انحراف. غير أن اللجوء إلى القضاء يظل، في كثير من الأحيان، خيارًا صعبًا للموظف، في ظل تعقيدات الإثبات وطول الإجراءات.
لذلك، فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بإطلاق برامج تمكين جديدة، بل يبدأ من إعادة الاعتبار للنص القانوني بوصفه أداة ملزمة لا تجميلية.
ومن تحويل مبادئ الجدارة وتكافؤ الفرص من مواد مكتوبة إلى ممارسات قابلة للقياس والمساءلة.
التمكين، في جوهره القانوني، ليس منحة… بل حق.
وكل تمكين لا يستند إلى معيار قانوني واضح، ولا يخضع لرقابة فعالة، هو تمكين مشوّه…
قد يبدو إصلاحًا في الشكل، لكنه في الحقيقة إعادة إنتاج للخلل بغطاء قانوني.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة الشريط الإخبارية 2024
تصميم و تطوير
Update cookies preferences