فلسطين… موقف لا يُختزل ولا يُعاد تعريفه

{clean_title}
الشريط الإخباري :  

 

بقلم : عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي

إن محاولة اختزال القضية الفلسطينية بأنها “شأن فلسطيني لا شأن لغيرهم بها” ليست مجرد رأي عابر في سياق نقاش سياسي، بل طرحٌ يتجاهل طبيعة هذه القضية وتعقيداتها التاريخية والإنسانية والسياسية، ويُعيد صياغتها بطريقة لا تنسجم مع الواقع ولا مع مسار الصراع الممتد منذ عقود.

فالقضية الفلسطينية ليست نزاعًا داخليًا ضمن حدود دولة مستقرة، بل هي قضية احتلال تاريخي ما زالت آثاره قائمة، وقضية حقوق شعب لم تُستكمل بعد، وقضية مقدسات تتجاوز حدود الجغرافيا الضيقة إلى عمق ديني وإنساني وإقليمي واسع. وبالتالي فإن محاولة حصرها داخل نطاق طرف واحد فقط، وإلغاء أي بعد عربي أو دولي لها، هو تبسيط مخلّ يبتعد عن جوهر الحقيقة.

الأردن، بحكم الجغرافيا والتاريخ، وبحكم الروابط الممتدة مع فلسطين، لم يكن يومًا على هامش هذه القضية. بل كان حاضرًا في تفاصيلها الكبرى، سياسيًا وإنسانيًا، وتحمّل عبر عقود أعباءً متصلة بالملف الفلسطيني، سواء على مستوى اللاجئين أو القدس أو التطورات السياسية المتعاقبة. وهذا الدور لم يكن خيارًا ظرفيًا، بل نتيجة طبيعية لواقع تاريخي وجغرافي لا يمكن تجاهله أو فصله بتصريح سياسي.

وفي قلب هذا الواقع، تأتي الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس كمسؤولية قائمة ومعترف بها، تجعل من القدس ملفًا مباشر الصلة بالأردن، دينيًا وسياسيًا وأخلاقيًا. وهذا وحده كافٍ لإثبات أن محاولة فصل الأردن عن القضية الفلسطينية لا تنسجم مع الحقائق القائمة على الأرض.

إن الوقوف مع فلسطين لم يُبنَ يومًا على منطق “دمج دول” أو إلغاء كيانات، بل على مبدأ واضح: دعم حق الشعب الفلسطيني في إنهاء الاحتلال، واستعادة حقوقه المشروعة، وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة على أرضه، وعاصمتها القدس. هذا هو جوهر الموقف، بعيدًا عن أي تأويلات أو اختزالات غير دقيقة.

ومن الخطير في الخطابات المعاصرة أنها قد تدفع باتجاه تطبيع فكرة “الانفصال الكامل” بين الشعوب والقضايا المصيرية، وكأن كل طرف يعيش في جزيرة منفصلة لا علاقة لها بما يجري حولها. بينما الواقع السياسي والتاريخي في هذه المنطقة يؤكد أن الترابط بين القضايا ليس خيارًا فكريًا، بل حقيقة فرضتها الجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك.

إن الاختلاف في وجهات النظر السياسية أمر طبيعي، لكن تحويل القضية الفلسطينية إلى شأن معزول بالكامل، أو التقليل من مسؤولية الدعم والتضامن تجاهها، لا يعكس قراءة دقيقة للواقع، ولا ينسجم مع الثوابت التي شكّلت وعي المنطقة عبر أجيال.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة واضحة وثابتة:
فلسطين ليست قضية يمكن حبسها داخل حدود ضيقة، ولا ملفًا يمكن عزله عن محيطه.
بل هي قضية عدل وحقوق ومقدسات، ما زالت مفتوحة، وما زال ضمير الأمة تجاهها حيًا، مهما تعددت الأصوات أو اختلفت المواقف

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة الشريط الإخبارية 2024
تصميم و تطوير
Update cookies preferences