عمّان - ضجيج خارج الكهف
سعيد الصالحي
ربما في عمّان، تلك المدينة التي تعلو طبقاتها فوق بعضها كما لو أنها تكتب تاريخها بالحجر لا بالحبر، ستجد موقعًا لم يُشيَّد ليخلّد قيصرًا، ولا ليروي نشوة نصرٍ عسكري. هنا، عند أهل الكهف، لا أقواس ظفرٍ ولا أعمدة تُمجّد الغلبة، بل كهفٌ صامت وبضعة قبور. كأن الذاكرة، في لحظة ما، قررت أن تختصر كل شيء في سؤال لا إجابة له.
هذا الكهف ليس مجرد أثرٍ جغرافي. هو نقطة تماس بين التاريخ والإنسان، بين الحكاية والذاكرة، بين ما يُقال وما يُصدَّق بصمت. هنا، تتراجع الجغرافيا قليلًا، ويظهر الإنسان كما هو، بلا زينة. حين يفرّ بقناعته، لا بسيفه، ولا حتى بقدرته على الشرح والإقناع.
حين تدخل الكهف، لا تستقبلك رهبة الموت كما تتوقع. هناك شيء أهدأ، أبسط، أقرب إلى سكينة ما قبل الأسئلة. كأنك لا تقف أمام قبور أصلًا، بل عند عتبة تجربة إنسانية نادرة. أن تغادر زمنك ثم تعود إليه، وتكتشف أنك لست الشخص نفسه، ولا الزمن نفسه.
ليست الحكاية في النوم الطويل. هذا الجزء يبدو سهلًا في السرد. الحكاية في الاستيقاظ. في مواجهة عالمٍ تحرّك كثيرًا بينما بقي ما في الداخل ثابتًا، أو ظنّ أنه ثابت. كحجرٍ في مجرى نهر، يظن أنه في مكانه، بينما الماء يغيّر كل شيء حوله دون أن يستأذنه.
جلستُ على العتبة. الحجر كان دافئًا أكثر مما ينبغي لمكان كهذا. كأنه احتفظ بشيء من حياة قديمة لم تكتمل مغادرتها. تخيّلت المكان قبل أن يصبح “أثرًا”. عيون ماء، أشجار لا تعتذر عن ظلّها، وأشخاص لا يعرفون أنهم سيصبحون حكاية لاحقًا. فقط كانوا يعيشون. وهذا ما استطاعوا إليه سبيلًا.
لم يكونوا أبطالًا كما تحب الكتب أن تصنع أبطالها. لم يكن هناك نصر، ولا معركة واضحة، ولا عدو يمكن الإشارة إليه بإصبع ثابت. كان هناك شيء أبسط وأقسى. قالوا “لا” في وجه عالم مكتمل الضجيج، ثم مضوا. أحيانًا تكون هذه الجملة وحدها كافية لتغيير مصير كامل، دون أن تحتاج إلى أي تزيين.
في هذا المعنى، يصبح الكهف أكثر من ملجأ. يصبح موقفًا. وربما هذا ما لا يُقال كثيرًا. ليس انسحابًا من العالم، بل اعتراضًا عليه بشكل لا يحتاج خطابات. ولهذا تحديدًا، لا تتعلق الحكاية بالنوم بقدر ما تتعلق بالزمن نفسه. ماذا يفعل الزمن بالحقيقة حين يمرّ عليها؟ هل يخففها؟ يشوّهها؟ أم يكشف أنها لم تكن ثابتة كما ظن أصحابها؟
عادوا—كما تقول الحكاية—ليجدوا مدينة تشبه ما حلموا به. وهذه جملة خطيرة أكثر مما تبدو. لأن التشابه لا يعني التطابق. ولا يعني الطمأنينة. أحيانًا يكون مجرد خدعة. الحقيقة التي تُكتشف في العزلة، لا تدخل بسهولة. هناك دائمًا شيء لا يُترجم. مسافة خفية بين ما يُعاش وما يُقال عنه لاحقًا.
لذلك بدا خروجهم من الكهف أقل يقينًا من دخولهم إليه. وهذا ليس تناقضًا. بل نتيجة طبيعية. كأن الرحلة الحقيقية لم تكن في النوم أصلًا، بل في العودة.
نهضتُ عن العتبة وغادرت الكهف، لكنني لم أغادره فعليًا. بقي في الخلف، ليس كمكان، بل كفكرة. هل نحتاج كهوفنا فعلًا؟ أم أننا فقط نحب أن نعتقد ذلك حين يزدحم الخارج أكثر مما نحتمل؟
في عمّان، المدينة التي تتسع لطبقات لا تنتهي من البشر والزمن، يهمس هذا الكهف بشيء لا يقول نفسه بصراحة: لا تمكثوا طويلًا داخل كهوفكم. ولا تظنوا أن الخارج عدو دائم. فالعالم، رغم كل ضجيجه، ليس بهذا الوضوح. والمدينة، مهما ضاقت، ما زالت تتسع لمن يحمل يقينه دون أن يحوّله إلى هروب.








