يواجه قطاع غزة مرحلة حرجة ومصيرية بعد انقضاء اكثر من مئتي يوم على اتفاق وقف العمليات العسكرية، حيث تلوح تل ابيب مجددا بخيار استئناف الحرب في ظل تعثر واضح في تنفيذ بنود الاتفاق المبرم. وتتزايد المخاوف من انهيار التهدئة وسط اتهامات متبادلة بين الفصائل الفلسطينية والاحتلال بشان خروقات ميدانية مستمرة وعمليات اغتيال تزيد من تعقيد المشهد على الارض.
واوضحت المعطيات الميدانية ان التساؤل الابرز الذي يفرض نفسه اليوم هو حول طبيعة الموقف الامريكي في عهد الادارة الجديدة بقيادة دونالد ترمب، وما اذا كان الاخير سيمنح بنيامين نتنياهو تفويضا للعودة الى المربع الاول في غزة. ويبدو ان حسابات نتنياهو السياسية والانتخابية تدفعه لمحاولة استغلال هذا الملف لتعزيز موقفه الداخلي عبر البقاء في حالة استنفار دائم.
واكد خبراء ان الهدف الاسرائيلي يتجاوز مجرد التلويح بالحرب، ليشمل استراتيجية طويلة الامد تهدف الى فرض واقع امني جديد يغير جغرافيا القطاع. وقد نجح جيش الاحتلال بالفعل في توسيع سيطرته على مساحات واسعة من اراضي غزة، محولا اياها الى مناطق عازلة وقواعد عسكرية ثابتة تضعف اي امكانية لعودة الحياة الطبيعية للسكان.
استراتيجية نتنياهو وتوسيع السيطرة الميدانية
وبين المحلل السياسي مهند مصطفى ان التصعيد الحالي ليس مجرد رد فعل اني، بل هو مخطط مبيت يهدف الى امننة القطاع بشكل كامل. واضاف ان نتنياهو يسعى من خلال عرقلة وصول اللجان الوطنية لادارة غزة الى تكريس حالة من الفراغ الاداري، مما يبرر له استمرار العمليات العسكرية تحت ذريعة محاربة حماس.
وكشفت التقديرات الميدانية ان اسرائيل قامت بضم مساحات اضافية تقدر بنحو تسعة بالمئة من اراضي القطاع، مما رفع نسبة المناطق الخاضعة للسيطرة العسكرية الاسرائيلية الى اكثر من ستين بالمئة من اجمالي مساحة غزة. وشدد مصطفى على ان رئيس الوزراء الاسرائيلي يجد نفسه مضطرا لمواصلة هذا النهج لضمان بقائه في السلطة، خاصة بعد وعوده الانتخابية بنزع سلاح الفصائل.
واظهرت الممارسات الاسرائيلية ان الهدف هو الضغط على المجتمع الدولي للقبول بالامر الواقع الجديد، مع تجاهل تام للالتزامات الانسانية والسياسية التي نصت عليها الاتفاقات السابقة. واشار المراقبون الى ان تعطيل عمل الشرطة المحلية ومنع المساعدات عن التدفق بشكل كاف يهدف الى تقويض اي محاولة فلسطينية لاستعادة السيطرة المدنية على القطاع.
تعقيدات نزع السلاح وموقف الادارة الامريكية
واوضح المسؤول السابق في الخارجية الامريكية توماس واريك ان قضية نزع السلاح باتت تمثل العقدة الاساسية التي تعطل اي تقدم ملموس في مسار السلام. وبين ان الدول التي كان من المفترض ان تشارك في قوة استقرار دولية ترفض الدخول الى غزة دون ضمانات امنية كاملة، وهو ما ترفضه حماس وتعتبره مساسا بسيادتها.
واضاف واريك ان اسرائيل لا تزال تضع شروطا تعجيزية، حيث امهلت حماس فترات زمنية محددة لتسليم سلاحها دون ان تلتزم هي بتنفيذ المرحلة الاولى من الاتفاق. واكد المحلل الفلسطيني اياد القرا ان الفصائل قدمت تعهدات مكتوبة للوسطاء بتسليم مهام الحكم للجنة وطنية، الا ان الاحتلال يواصل استهداف الكوادر الامنية والمدنية لعرقلة هذا المسار.
وكشفت تصريحات ترمب الاخيرة عن انحياز واضح لنتنياهو، حيث اعتبر ان اسرائيل بحاجة لقيادة تركز على الحرب بدلا من الانشغال بملفات جانبية. واشار القرا الى ان هذا الموقف قد يمنح نتنياهو غطاء سياسيا لاستئناف العمليات القتالية في حال شعر ان مصالحه الشخصية تتطلب ذلك، بينما تظل غزة في مرتبة ثانوية من حيث الاهتمام الدولي مقارنة بملفات لبنان وايران.
