تحولت مشاهد الخراب في قطاع غزة وجنوب لبنان الى اداة دعائية منظمة تعتمد على تقنية المقارنة البصرية بين حالتي ما قبل وبعد التدمير. وتكشف هذه الممارسة عن استراتيجية اعلامية تهدف الى اعادة تدوير صور المناطق المنكوبة ضمن قوالب سردية جاهزة تهدف الى التنصل من المسؤولية المباشرة عن العمليات العسكرية. وتعتمد هذه الحملة على تحويل المادة البصرية الى وسيلة ضغط عاطفي تستهدف توجيه الرأي العام نحو ادانة الخصوم بدلا من مساءلة الطرف المعتدي.
واظهرت المتابعات الرقمية ان الحسابات المرتبطة بالدعاية الاسرائيلية تتعمد نشر صورتين متجاورتين للمكان ذاته في زمنين مختلفين. وتظهر الصورة الاولى واقعا مستقرا وحياة طبيعية بينما تعرض الثانية ركاما ودمارا واسعا في البنية التحتية. واكد خبراء في تحليل المحتوى ان هذا الاسلوب يختزل الاحداث المعقدة في لحظة صادمة واحدة تمنع المتلقي من التفكير في السياق السياسي او العسكري الاوسع للنزاع.
وبينت التحليلات ان التعليقات المرافقة لهذه الصور غالبا ما تكون مقتضبة ومحددة. حيث يتم تحميل حماس او حزب الله المسؤولية الكاملة عن الدمار بدعوى ان ما حدث هو نتيجة لقراراتهم. واضاف المحللون ان هذا النمط الدعائي يسعى الى قلب الحقائق وتحويل الضحية الى متهم عبر ربط الدمار المادي بقرارات سياسية بدلا من ربطه بالضربات الجوية والعمليات الميدانية التي تشنها اسرائيل.
تكتيكات التضليل البصري ومراوغات السردية
وتعتمد الحملة على منطق الصدمة البصرية لتحقيق استجابة انفعالية فورية لدى الجمهور. واوضح القائمون على رصد هذه الظاهرة ان القالب البصري المستخدم يتجاهل تماما قواعد الاشتباك او حجم الخسائر المدنية التي تسببها الغارات. واشاروا الى ان الهدف هو خلق معادلة مبسطة تقوم على ان الدمار هو نتيجة منطقية لافعال الطرف الاخر مما يخدم الرواية الرسمية التي تبرر القوة المفرطة.
وذكرت التقارير ان هذا التكتيك لا يقتصر على منطقة جغرافية واحدة بل يتم نقله بسلاسة بين غزة وجنوب لبنان. واضافت ان المشهد البصري يتكرر بنفس التفاصيل مع تغيير بسيط في الموقع والجهة المستهدفة. واكدت ان هذا الانتقال السريع يثبت وجود منظومة دعائية جاهزة تعمل على تكييف السردية لتناسب اي ساحة قتال جديدة دون الحاجة الى ابتكار محتوى مختلف.
وكشفت التحقيقات ان هذه الصور لا تنتشر بشكل عفوي بل تقف خلفها شبكة من الشخصيات المؤثرة والحسابات الموثقة. واوضحت ان ابرز هذه الحسابات تعمل على تضخيم المحتوى وتوزيعه ضمن حملات رقمية واسعة. وبينت ان استخدام اسماء معروفة يمنح المحتوى غطاء من المصداقية الزائفة التي تستهدف التأثير على الجمهور الغربي والعربي على حد سواء.
ابعاد الحملة الرقمية واهدافها البعيدة
وتسعى هذه المنظومة الدعائية الى اعادة صياغة وعي المتلقي حول مفهوم الضحية والجلاد. واوضح المراقبون ان العملية تتجاوز مجرد نشر صور لتصل الى مرحلة اعادة هندسة الحقيقة. واكدوا ان تحويل الدمار من دليل على فداحة العمليات العسكرية الى اداة اتهام ضد من وقع عليه الضرر يعد من اخطر اساليب الحرب النفسية في العصر الرقمي.
واضافت الدراسات ان التكرار المستمر لهذا القالب يهدف الى ترسيخ فكرة ان اسرائيل طرف يدافع عن نفسه في حين يتحمل الطرف الاخر مسؤولية تدمير بيئته ومجتمعه. واوضحت ان هذا التلاعب البصري ينجح في صرف الانظار عن الحقائق الميدانية والانتهاكات الموثقة. وبينت ان الفعالية الكبيرة لهذا القالب تكمن في بساطته وسرعة انتشاره عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وختم التحليل بالتأكيد على ان هذه الحملات تعكس تنسيقا دعائيا عاليا يهدف الى السيطرة على السردية الاعلامية. واوضحت ان تكرار نفس النصوص والصور عبر منصات متعددة يؤكد وجود توجيه مركزي للرسائل الاعلامية. واكدت ان مواجهة هذا التضليل تتطلب وعيا نقديا من الجمهور تجاه المحتوى البصري الذي يتم ضخه بكثافة في فضاءات الانترنت.
