يواجه عدد من رجال الاعمال واصحاب المهن في قطاع غزة واقعا مريرا بعد ان تحولت مشاريعهم التجارية الى انقاض بفعل الحرب المستمرة. لم يعد هؤلاء يبحثون عن الربح او التوسع في الاسواق بل بات همهم الوحيد توفير قوت يومهم في ظل ظروف معيشية بالغة القسوة تفتقر الى ادنى مقومات الحياة الكريمة.

واظهرت الاوضاع الراهنة ان شريحة واسعة من المجتمع التي كانت تشكل ركيزة اقتصادية للمدينة اصبحت اليوم تعيش حالة من النزوح والتشرد. واضاف المراقبون ان يوم العمال هذا العام يمر في غزة مثقلا برائحة البارود وغياب تام لاي مظاهر احتفالية او نشاطات عمالية معتادة في مثل هذا الوقت.

وبينت المعطيات الميدانية ان الفراغ الذي خلفته الحرب في ايدي الصناع والتجار تحول الى حسرة عميقة في قلوب رجال كانوا يوما ما اعمدة للمجتمع. واكد المتضررون ان حجم الخسائر لا يقاس فقط بالارقام المادية بل بالهوية المهنية التي ضاعت بين ركام المباني المدمرة.

مالك المطاعم بين انقاض طموحه

وكشف يوسف عكيلة وهو صاحب سلسلة مطاعم شهيرة كيف تحولت مملكته التجارية التي كانت معلما من معالم غزة الى كومة من الحجارة. واوضح ان المطاعم التي كانت تضج بالحياة والزبائن اصبحت اليوم مكانا مهجورا لا يصلح الا للذكرى الاليمة.

واشار عكيلة الى ان العمال الذين كانوا يشكلون عصب العمل باتوا مشتتين بين شهيد ونازح يبحث عن الامان. وشدد على ان الارادة لا تزال موجودة رغم فقدان كل شيء حيث يحاول جاهدا اعادة بناء مطعمه باستخدام شوادر النايلون المتهالك في خيمة صغيرة تفتقر للغاز وتعتمد على الحطب.

واضاف ان الدخان المتصاعد من خيمته ليس مجرد وسيلة طهي بل هو رسالة صمود في وجه الحرب. واكد ان سقف طموحه الذي كان يلامس السماء بات اليوم محصورا في قطعة من البلاستيك واقمشة الخيام التي تحميه وعائلته من العراء.

من عالم القانون الى بسطات الرصيف

وتحدث الشاب خالد الكتناني عن تحوله من طموح العمل في المحاماة بعد تفوقه الدراسي الى بائع متجول على بسطة متواضعة. واوضح ان الحرب لم تكتفِ بتدمير السوبر ماركت الخاص به الذي كان يعيل اسرته بل سرقت منه مستقبله المهني الذي خطط له لسنوات.

وذكر الكتناني ان الوقوف خلف بسطة لا يملكها هو امر يفوق قدرته على التحمل. واضاف انه يعمل اجيرا لدى الاخرين ليحصل على مبالغ زهيدة لا تسد رمق يومه في واقع يفرض قوانينه القاسية على الجميع.

وبين ان المفارقة المؤلمة تكمن في ارتداء ثوب المحامي الذي كان يحلم به تحول الى واقع مرير من العمل الشاق في الشارع. واكد ان الحرب غيرت مسار حياته تماما وجعلت من البقاء على قيد الحياة المعركة الوحيدة المتبقية له.

معركة الصمود في وجه العوز

واظهرت قصة اشرف شنيورة من حي الزيتون فصلا جديدا من المعاناة حيث خسر منزله ومتاجره في لحظات. واوضح انه يمارس اليوم مهنة عامل المياومة بعد ان كان يمتلك استقرارا ماديا مكنه من عيش حياة كريمة مع عائلته.

واضاف شنيورة ان البسطة التي يقف خلفها ليست مجرد وسيلة للبيع بل هي ساحة معركة لاثبات الوجود. وشدد على ان الوجع الحقيقي يكمن في فقدان الكرامة المهنية التي كان يتمتع بها اصحاب الاملاك قبل ان تلتهم الحرب كل شيء.

واكد ان العائلات التي كانت مستورة باتت اليوم تقف في طوابير النازحين بحثا عن رمق الحياة. وبين ان التمسك بالكرامة هو السلاح الوحيد الذي يرفض التخلي عنه رغم كل ظروف الجوع والحرمان.

ديون تلاحق الحطام

وكشف محمد الغولة من حي الشجاعية عن مأساة اخرى تتمثل في استمرار مطالبات الديون لاشياء لم تعد موجودة. واوضح ان سيارته التي كانت مصدر رزقه الوحيد دمرت بالكامل ومع ذلك لا يزال ملزما بسداد اقساطها الشهرية.

واضاف الغولة انه اضطر لفتح نقطة شحن هواتف متواضعة كمهنة اضطرارية تفرضها الحاجة. وذكر انه يقضي ساعات طويلة في العمل ليجمع مبالغ بسيطة لا تكفي متطلبات عائلته اليومية في ظل ارتفاع الاسعار.

واكد ان صرخته موجهة للمؤسسات الدولية بضرورة التدخل لايجاد حلول عاجلة للعمال الذين سحقت ادوات انتاجهم. وبين ان العدالة تتطلب تعويضا حقيقيا ينهي دوامة الديون التي تلاحق المتضررين من الحرب.

ارقام قياسية للبطالة والفقر

واوضح شاهر سعد الامين العام لاتحاد عمال فلسطين ان ما يجري في غزة هو جريمة كبرى طالت كل مقومات الحياة. واضاف ان الخسائر في صفوف القوى العاملة تجاوزت الجانب المادي لتصل الى انعدام الامن الغذائي والحماية الانسانية.

وكشف سعد ان نسبة البطالة قفزت بفعل الحرب من 40% الى نحو 80% بينما وصلت معدلات الفقر الى 87%. واكد ان هذه الارقام تعكس حجم الفجوة الاقتصادية التي ستترك اثارها لسنوات طويلة على المجتمع الفلسطيني.

وختم حديثه بان عمال غزة هم الضحية الاولى لغياب العدالة الدولية. واضاف ان المجتمع الدولي عجز عن توفير ادنى معايير العمل اللائق او الحماية لهؤلاء الذين فقدوا كل شيء في لحظات.