في مشهد يعكس قسوة الظروف وصمود الانسان الفلسطيني امام الحصار الخانق، تحولت خيمة بسيطة على شارع الرشيد في غزة الى ورشة عمل لإنتاج الاسمنت. ابراهيم ابو جبل، رب اسرة مكونة من تسعة افراد، قرر مواجهة الفقر بابتكار وسيلة بدائية لإعادة تدوير كتل الاسمنت المتحجر التي يجمعها من تحت ركام المنازل المدمرة. كشفت هذه التجربة عن جانب من المعاناة اليومية التي تعيشها العائلات النازحة في محاولة لتأمين لقمة العيش وسط بيئة تفتقر لأدنى مقومات الحياة الكريمة.

واظهرت الجولة الميدانية داخل الخيمة ان العمل يتم بأدوات بدائية للغاية، حيث يستخدم ابراهيم مطرقة صنعها يدويا من بقايا قذيفة دبابة اسرائيلية لتحطيم الكتل القاسية. واضاف الاب ان ابنه فارس هو من ابتكر هذه الفكرة بعد خروجه من الاعتقال، مشيرا الى ان العمل في هذا المشروع اصبح الوسيلة الوحيدة للتعافي النفسي وتجاوز آثار السجن والتعذيب التي عانى منها خلال الشهرين الماضيين.

وبينت الملاحظات ان العائلة بأكملها تشارك في مراحل التصنيع، من تجميع الكتل من منطقة المغراقة باستخدام التوك توك، وصولا الى تحميص الاسمنت على النار وغربلته يدويا. واكدت الام ان مشاركة الاطفال في هذا العمل الشاق جاءت نتيجة قهرية لعدم قدرتهم على توظيف عمال، مما يضطرهم للتضحية بطفولة ابنائهم من اجل البقاء على قيد الحياة وتوفير الاحتياجات الاساسية.

اقتصاد الركام في مواجهة الحصار

واوضح مختصون في الشأن الاقتصادي ان ما تقوم به عائلة ابو جبل يندرج تحت مفهوم اقتصاد البقاء، حيث يتم تدوير المواد المتاحة لخلق فرصة عمل وسط غياب كامل للمواد الخام. واضاف الخبراء ان منع دخول الاسمنت الى قطاع غزة يعد اداة سياسية لخنق اعادة الاعمار، مما جعل السوق المحلية تعتمد على بدائل اضطرارية لتلبية احتياجات الترميم البسيطة.

واشار الباحثون الى ان سعر الاسمنت في غزة شهد ارتفاعات جنونية نتيجة الندرة، حيث اصبح الكيلو الواحد يباع بأسعار مرتفعة جدا مقارنة بمستويات الدخل المتدنية للنازحين. واكد التقرير ان هذه المبادرات الفردية تعكس حجم الازمة الاقتصادية، لكنها تبقى حلولا محدودة لا يمكنها سد الفجوة الهائلة التي احدثها الدمار الشامل في البنية التحتية للقطاع.

وذكر تقرير اقتصادي ان هذا النوع من الاسمنت المعاد تدويره لا يمثل حلا هندسيا متكاملا، بل هو استجابة طارئة لشح الموارد في ظل استمرار الحصار. واضاف ان اعتماد الناس على هذه المواد يعكس مدى اليأس من توفر بدائل نظامية، خاصة في ظل توقف عجلة الاعمار منذ سنوات طويلة.

كفاءة انشائية محدودة

وبين مهندسون مدنيون ان الاسمنت المتحجر يفقد معظم خواصه الكيميائية والفيزيائية بعد تعرضه للعوامل الجوية والحرائق، مما يجعل كفاءته الانشائية لا تتجاوز العشرين بالمئة. واضاف المختصون ان استخدامه في البناء يحمل مخاطر كبيرة، لكن الحاجة الماسة للترميم والتشطيبات البسيطة تدفع المواطنين لاستخدامه كخيار اخير ومتاح.

واكد المهندسون ان غياب المواد الاساسية منذ سنوات طويلة ادى الى تدهور الحالة الانشائية للمباني القائمة، مشيرين الى ان هذه الحلول البدائية لا تصلح ابدا لتحمل احمال انشائية ثقيلة. واوضحوا ان التحدي يكمن في كيفية تعويض النقص الحاد في المواد الرابطة التي تعتبر عصب الحياة لقطاع الانشاءات في غزة.

وختمت الاسرة يومها الطويل داخل الخيمة، حيث لا يزال الطموح بالعودة الى حياة طبيعية يصارع واقع الركام والفقر. وكشفت التقديرات الاممية ان حجم الركام في غزة تجاوز الستين مليون طن، وهو ما يجسد حجم الكارثة التي تتطلب تدخلا دوليا عاجلا لإنهاء معاناة آلاف العائلات التي تعيش على هامش البقاء.