يتحول الصوت في فلسطين اليوم إلى وثيقة تاريخية لا تقدر بثمن في ظل تضاؤل المساحات المادية للذاكرة، حيث استضاف مركز خليل السكاكيني في رام الله ملتقى الرواية الشفوية الذي ناقش آليات الحفاظ على السردية الفلسطينية بعيدا عن الأرشيفات التقليدية التي تعرضت للنهب والتدمير. وشكل هذا الملتقى منصة حيوية لخبراء ومؤرخين سعوا إلى إيجاد بدائل منهجية لحفظ الروايات الفردية التي تمثل جوهر الهوية الوطنية في مواجهة محاولات الطمس المستمرة.
واستعرض المشاركون في الجلسات البحثية إشكاليات التوثيق الميداني للتاريخ الشفوي، مؤكدين أن الرواية الشفوية ليست مجرد سرد عاطفي بل هي أداة سياسية بامتياز في معركة الوعي. وأوضح الباحثون أن الاعتماد على الذاكرة الفردية بات ضرورة ملحة لاستعادة تفاصيل الحياة في القرى المهجرة، خاصة بعد فقدان الكثير من السجلات الرسمية خلال عقود من التهجير القسري.
وبين الخبراء أن الرواية الشفوية تتجاوز كونها مادة أرشيفية لتصبح فعلا مقاوما يرفض النسيان، مشددين على أهمية تحويل هذه الشهادات إلى مادة رقمية متاحة للأجيال القادمة لضمان استمرارية الذاكرة الجمعية.
التاريخ الشفوي كدرع للذاكرة الوطنية
وكشف وزير الثقافة الفلسطيني في كلمته عن توجه استراتيجي لتطوير منصات رقمية حديثة قادرة على استيعاب الشهادات الحية وحفظها من الاندثار. وأضاف أن الحاجة إلى هذه الأدوات زادت حدتها مع تعاقب الأجيال وفقدان المصادر الأولية التي عاصرت النكبة، مؤكدا أن الذاكرة الفردية هي الوعاء الأخير المتبقي الذي يحمل تفاصيل الجغرافيا التي حاول الاحتلال محوها من الخرائط.
وأكد رئيس الملتقى أن الفلسطينيين كانوا سباقين في تبني هذا النهج التوثيقي، مستشهدا بمشاريع رائدة مثل برنامج التاريخ الشفوي في جامعة بيرزيت وموسوعات المؤرخين التي اعتمدت على روايات الشهود. وأشار إلى أن هذه الجهود وضعت حجر الأساس لحماية التاريخ الفلسطيني من التزوير، حيث تحولت شهادات المهجرين إلى مراجع أكاديمية يعتد بها في المحافل الدولية.
وأظهرت النقاشات أن التجربة الفلسطينية في التوثيق الشفوي أصبحت نموذجا ملهما للشعوب التي تعاني من فقدان أرشيفها المادي، مبينا أن المنهجية المتبعة اليوم تركز على دقة الرواية وربطها بالسياق التاريخي العام لضمان مصداقيتها كوثيقة قانونية وتاريخية.
غزة وتحدي التوثيق في زمن الحرب
وأكد الحاضرون أن الحرب الأخيرة على قطاع غزة وتدميرها للمكتبات والمواقع التراثية أعادت التذكير بأن الإنسان هو الأرشيف الحي الذي لا يمكن قصفه. وأوضح المتحدثون أن صوت الجدة في غزة يمثل مكتبة متنقلة تحفظ تفاصيل الحياة قبل التهجير، وهو ما يجعل من التوثيق الشفوي خط الدفاع الأخير عن الحقوق الفلسطينية.
وأضاف المشاركون أن التحدي الأكبر يكمن في سباق الزمن، حيث أن كبار السن الذين يحملون ذاكرة 1948 يغادرون الحياة تباعا، مما يفرض ضرورة تكثيف العمل الميداني قبل ضياع هذه الشهادات. وأكد الجميع أن فقدان كل شاهد هو بمثابة احتراق لمكتبة وطنية كاملة، مما يتطلب تضافر الجهود لتوثيق كل تفصيلة صغيرة.
وشدد الباحثون في ختام الملتقى على أن الرواية الشفوية تتطلب معالجة منهجية دقيقة لتفادي التحيزات الذاتية، معتبرين أن الجمع بين السرد الشخصي والبحث التاريخي هو السبيل الوحيد لإنتاج رواية وطنية متماسكة وقوية.
