يواجه طلبة الجامعات في قطاع غزة واقعا تعليميا استثنائيا يتجاوز تحديات المناهج الدراسية التقليدية، حيث لا يقاس النجاح اليوم بعدد الساعات التي يقضيها الطالب في المذاكرة، بل بقدرته على الوصول الى اشارة انترنت ضعيفة أو تأمين شحن لهاتفه قبل انقطاع التيار الكهربائي المتكرر. يعيش هؤلاء الشباب في ظروف قاسية، حيث يحاول طالب الطب تخيل ملامح النبض في عروق المرضى عبر شاشة هاتف مخدوشة، بدلا من التدريب المباشر في مختبرات جامعية لم تعد موجودة.
وتعكس هذه الحالة صورة قاتمة لواقع التعليم في بقعة جغرافية مثقلة بآثار الدمار، حيث يقف الطلاب وسط ركام كلياتهم التي كانت يوما منارات للعلم. واكد العديد من الطلبة انهم يدرسون تحت ضغوط نفسية هائلة، خاصة مع فقدانهم لأدوات التدريب الأساسية مثل المجاهر وأنابيب الاختبار التي حولتها الحرب الى بقايا مهشمة.
واضاف طالب طب الأسنان عبد الرحمن الريس ان الصعوبة الحقيقية لا تتوقف عند غياب التقنيات الرقمية، بل تمتد لتشمل تدمير المعامل والكراسي الطبية التي كان يعتمد عليها الطلاب في صقل مهاراتهم العملية. وبين الريس ان التعليم النظري عبر الشاشات لا يمكنه بأي حال من الأحوال تعويض الخبرة الميدانية التي فقدها الطلبة نتيجة استهداف البنية التحتية التعليمية.
تحديات التعليم في ظل الحصار
واشار الطلبة الى ان الكادر الأكاديمي واجه هو الآخر ظروفا صعبة، فقد فقدت الجامعات عددا من أساتذتها بين شهيد ومغادر للبلاد، مما عمق الفجوة التعليمية وأضعف القدرة على تقديم تدريب عملي موازٍ. واوضحت طالبة الهندسة بسملة صبرا ان تلقي دروس الرسم الهندسي عبر شاشة هاتف مكسورة يمثل تحديا كبيرا، مؤكدة ان الحصار يمنع دخول المعدات اللازمة للتدريب مما يترك الطلبة في حالة من العجز القسري.
وشددت صبرا على ان الطلبة يواصلون مسيرتهم رغم كل هذه المعوقات، مشيرة الى شعورها بالتحدي في استكمال تخصصها رغم افتقارها لجانب كبير من التدريب العملي. واظهرت هذه التجربة مدى اصرار الجيل الجديد على التمسك بحقهم في التعليم كجزء من معركة الوعي والصمود.
واكد الدكتور محمد شبير رئيس جامعة الأزهر ان المختبرات الجامعية التي كانت تمثل بيئة للبحث العلمي تحولت الى ساحات خالية من الأجهزة الحساسة التي كلفت ملايين الدولارات. وبين شبير ان ادارة الجامعة تبذل جهودا مضنية لاستخراج ما يمكن اصلاحه من تحت الأنقاض، مثل مقاعد طب الأسنان، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من التدريب العملي.
مستقبل البحث العلمي تحت الركام
واضاف شبير ان الطلبة يبتكرون بدائل تعليمية بسيطة لمواجهة شح الامكانات، مثل استخدام الصابون كبديل لبعض المواد في التدريب، مما يعكس روح الابتكار وسط الدمار. واوضح ان الطالب في غزة يصر على التعلم فوق ركام جامعته، مؤمنا بأن هذا العلم هو السبيل الوحيد للمشاركة في اعادة اعمار ما دمرته الحرب.
وبينت تقارير وزارة التربية والتعليم ومنظمة اليونسكو ان قطاع التعليم العالي تعرض لخسائر فادحة، حيث تضررت نحو 95% من مؤسسات التعليم العالي. وكشفت الاحصائيات ان 22 حرما جامعيا دمرت بشكل كلي، بينما اصيبت 14 أخرى بأضرار متفاوتة، مما يجعل مستقبل البحث العلمي في القطاع أمام تحد وجودي غير مسبوق.
واكد مختصون ان هذه الأرقام تعكس كارثة تعليمية تتطلب تدخلا واسعا، الا أن ارادة الطلبة في غزة تظل هي المحرك الأساسي لاستمرار العملية التعليمية رغم كل الظروف. واظهر الواقع الميداني ان الطالب الذي يحمل قلمه بيد ويزيل غبار الركام باليد الأخرى يجسد نموذجا للصمود الذي يرفض الانكسار أمام الواقع المرير.
