تحولت ليالي النازحين في قطاع غزة الى جحيم يومي لا ينتهي بفعل انتشار واسع ومخيف للقوارض التي باتت تقتحم خيام العائلات وتهاجم الاطفال وسط صمت دولي مطبق. وكشف الطفل نوح الخور البالغ من العمر عشر سنوات عن تفاصيل مرعبة عاشها حين تسلل جرذ ضخم الى داخل ملابسه ووصل الى بطنه اثناء وجوده امام خيمته في مخيم الجوازات بمدينة غزة. واوضح نوح في حديثه انه تعرض لتشنج عصبي حاد نتيجة الرعب الذي اصابه مما جعله يرفض الخروج من خيمته بعد غياب الشمس خوفا من تكرار تلك الحادثة القاسية التي افقدته الشعور بالامان في ابسط تفاصيل حياته.

واضافت والدة نوح انها اضطرت للتخلص من وعاء طعام كامل بعدما ضبطت فأرا يدس رأسه فيه مما يعكس حجم التلوث الذي يحيط بموائد النازحين. واكدت الام ان القوارض لم تعد تخاف من البشر بل باتت تقفز على الوسائد وتخرج من كل زاوية في الخيام المهترئة التي لا توفر اي حماية حقيقية للاطفال. وشددت على انها تقضي ساعات طويلة في محاولة رتق الخيام وسد الفتحات بالحجارة في معركة يومية بدائية لحماية عائلتها من الغزو الليلي المستمر.

حرب غير معلنة داخل الخيام

وبينما يحاول النازحون حماية اطفالهم يعيش الاباء حالة من الاستنفار الدائم طوال الليل لمنع وصول القوارض الى صغارهم. واشار اشرف ابو الخير الى انه يقضي ليله في مراقبة الجحور وسد كل منفذ محتمل في خيمته خوفا على طفليه. واوضح ان الفئران تخرج من باطن الارض وتنتشر بكثافة مما جعل حياتهم عبارة عن معركة ليلية مرهقة نفسيا وجسديا لا تتوقف ابدا.

واضافت ام يحيى الاشقر ان طفلها المصاب بالسكري عاش نوبات هلع وتأتأة في النطق بسبب الرعب الذي تسببه القوارض المتسللة الى خيمتهم. واكدت انها اضطرت للاقتراض واستئجار منزل صغير رغم فقرها المدقع لتوفير بيئة امنة لولدها الذي قد لا يشعر بعضة الفأر بسبب مرضه مما قد يؤدي الى مضاعفات طبية خطيرة. واوضحت ان الخوف من القوارض اصبح دافعا رئيسيا للبحث عن اي مأوى بديل مهما كانت تكلفته.

بيئة خصبة لانتشار الاوبئة

وكشف مدير الطب الوقائي ايمن ابو رحمة ان قطاع غزة يواجه مكرهة صحية حقيقية بسبب تراكم النفايات وتدمير البنية التحتية للصرف الصحي. واظهرت التقارير الطبية تزايدا في حالات العض والالتهابات الجلدية التي تصل الى العيادات خاصة بين الاطفال والمسنين. وبين ان القوارض تنقل امراضا خطيرة عبر فضلاتها وبولها مما يزيد من تعقيد الاوضاع الصحية في ظل انهيار المنظومة الطبية.

واكد محمد العشي رئيس قسم جمع النفايات ببلدية غزة ان تدمير معظم اسطول البلدية ومنع دخول مواد المكافحة فاقم من الازمة بشكل غير مسبوق. واضاف ان تراكم مئات الالاف من اكواب النفايات في مراكز المدن جعلها بؤر تكاثر رئيسية للقوارض. واوضح ان البلدية تحاول جاهدة نقل النفايات الى مناطق اقل كثافة رغم المخاطر الامنية وصعوبة الوصول الى المكبات الرئيسية.

خطر الجثث المتحللة تحت الانقاض

وبين مدير دائرة الصرف الصحي محمد الامام ان شبكات المياه المدمرة تحولت الى مسارات آمنة لتنقل القوارض وتكاثرها تحت الارض. واشار الى ان الحلول المتاحة حاليا بالزنك والبلاط لا تعدو كونها مسكنات مؤقتة لمشكلة هيكلية تتطلب معدات ثقيلة غير متوفرة. واكد ان وجود نحو 8500 جثمان تحت الانقاض يمثل مصدرا اضافيا لجذب القوارض وانتشار الامراض المعدية.

واضاف الناطق باسم الدفاع المدني محمود بصل ان الوضع يتجه نحو الاسوأ مع اقتراب فصل الصيف الذي سيزيد من وتيرة التحلل وانتشار الاوبئة. وشدد على ان غزة تعيش حربا صامتة تضاف الى ماساة القصف حيث اصبحت القوارض تهديدا وجوديا يقض مضاجع النازحين في خيامهم الممزقة. وطالبت الجهات المسؤولة بضرورة الضغط الدولي لادخال مواد المكافحة والمعدات اللازمة قبل وقوع كارثة صحية لا يمكن السيطرة عليها.