لم يكن سقوط الكليات الأكاديمية في أغلب الأحيان وليد أزمة خارجية أو شُحّ في الموارد بل كان في معظم الحالات نتاج قرارات رعناء اتخذت في المكان الخطأ حين يجلس في كرسي العمادة من يفتقر إلى الكفاءة الإدارية بقدر افتقاره إلى الرؤية الأكاديمية والى الشهامة .
ما تشهده إحدى كليات الجامعات الخاصة اليوم ليس مجرد خلاف إداري عابر بل هو تحوّل مقلق في المسار من كلية كانت تصنف في مقدمة الكليات على مستوى الجامعات حيث كانت تتميز بكوادرها الأكاديمية وبيئتها التعليمية وحضورها البحثي والمهني إلى كيانٍ يتآكل من الداخل ويفقد أعمدته الحقيقية واحداً تلو الآخر.
الفشل الإداري لا يعلن عن نفسه دفعةً واحدة يبدأ خافتاً حيث تُهمش آراء و تُقصى كفاءات و تُغلق قنوات الحوار وتدين المبادرات والإنحازات ثم تبدأ القرارات تنحو منحىً شخصياً بعيداً عن المهنية فيُستغنى عن أستاذ لأنه لا يُجامل ويُبقى على آخر لأنه لا يعترض وتجتمع المصلحة الشخصية مع الشللية وحين تصبح العلاقة الشخصية مع العميد هي المعيار الفاصل بين البقاء والرحيل فقد ضاعت البوصلة المؤسسية تماماً.
الشواهد لا تحتاج كثيراً من التأمل أعضاء هيئة تدريس أمضوا سنوات في بناء هذه الكليةو أسهموا في رفع مؤشراتها البحثية وأقاموا شراكات مع مؤسسات خارجية وأشرفوا على مشاريع طلابية أضافت لسمعة الكلية وجدوا أنفسهم خارجها لا بسبب تقصير موثّق بل بسبب ديناميكيات مكتبية لا علاقة لها اكاديميا وفي الوقت ذاته تتراكم شكاوى موضوعية ضد آخرين لا تُنظَر لا لأنها باطلة بل لأن أصحابها يقعون في دائرة الحظوة وهناك الكثير من الشواهد .
أما الطلبة فهم المرآة الأصدق لأي مؤسسة تعليمية وما يكشفه المشهد الراهن صارخٌ في وضوحه موجة من الطلبة تتجه نحو الانتقال إلى جامعات أخرى بحثاً عن بيئة أكاديمية مستقرة وآمنة هذا ليس تذمراً عاطفياً بل هو تصويت حقيقي بالأقدام والبحث عن الإستقرار وحكمٌ ميداني قاطع على ما آلت إليه الأمور داخل الكلية.
والمفارقة المؤلمة أن الكلفة الاقتصادية لهذا الفشل الإداري ستفوق بمراحل أي "توفير" زُعم أنه الهدف من إنهاء عقود الأكاديميين فالطالب الذي يرحل يأخذ معه رسوماً وسمعةً وحضوراً في السوق والأستاذ الكفء الذي يُقصى يذهب إلى مؤسسة منافسة ويأخذ معه خبرته وشبكته وإنجازاته لا توفير هنا بل استنزاف بسبب الفشل الإداري الصارخ .
الإدارة الأكاديمية ليست منصباً يُمنح لمن طال بقاؤه أو حسنت علاقاته بل مسؤولية تقتضي رؤية مؤسسية وقدرة على بناء فريق متماسك واحترام للكفاءة بوصفها قيمة لا تُساوَم عليها. وحين يغيب هذا الفهم عن عقل من يقود الكلية فالنتيجة حتمية مؤسسة تتراجع وهي تظن أنها توفّر.
الكليات لا تُبنى في يوم وما أُنجز على مدار سنوات من العمل
والتفاني والتميز لا يستحق أن يُهدر على مذبح قرارات ارتجالية وحسابات ضيقة وعنصريه ان كانت للجندر أو الأصول ويحب ان تكون الإرادة حاضرة والعقل متحرراً من أسر الشخصنة والشللية والعنصرية المقيتة .
