تصاعدت حدة التوترات الدبلوماسية والامنية خلال الساعات الماضية عقب رصد تحركات عسكرية اسرائيلية ميدانية داخل مدينة رفح الفلسطينية وبالقرب من الحدود المصرية. واظهرت تقارير حديثة قيام قوات الاحتلال بانشاء تحصينات ومواقع عسكرية جديدة في منطقة تعد من الناحية القانونية والسياسية ضمن الترتيبات الامنية الحساسة لاتفاقية كامب ديفيد. واثار هذا التحرك تساؤلات جدية حول مدى التزام الجانب الاسرائيلي بالقيود المنصوص عليها في الملحق العسكري للمعاهدة التي تحكم التواجد العسكري في المناطق الحدودية منذ عقود طويلة. واكد مراقبون ان هذه التطورات تاتي في توقيت بالغ الحساسية مع استمرار العمليات العسكرية في قطاع غزة وسيطرة الجيش الاسرائيلي على محور صلاح الدين المعروف بممر فيلادلفيا.
واضاف محللون سياسيون ان استمرار هذه الخروقات يضع القاهرة امام تحديات استراتيجية جديدة للتعامل مع التجاوزات الاسرائيلية التي تضرب بعرض الحائط التنسيق المشترك. وبين اللواء سمير فرج مدير الشؤون المعنوية الاسبق ان المنطقة التي تشهد التحصينات تقع ضمن تصنيف المنطقة د وفقا للمعاهدة. واوضح ان بنود الاتفاقية واضحة وصريحة وتمنع بشكل قاطع تواجد اي اليات عسكرية ثقيلة او اقامة مواقع ثابتة في تلك النطاقات الجغرافية. وشدد على ان مصر ترفض هذه الممارسات جملة وتفصيلا وتعتبرها خرقا مباشرا للالتزامات الدولية التي تضمن استقرار الحدود.
واشار خبراء الى ان الالية المتبعة في مثل هذه الظروف تبدا برفع شكاوى رسمية عبر القنوات الدبلوماسية المعتمدة لادارة مراقبة تنفيذ الاتفاقية. واوضح فرج ان الولايات المتحدة تلعب دورا محوريا في هذا الاطار من خلال لجان مشتركة مكلفة بالتحقيق في التجاوزات. وكشف ان القاهرة سبق ان نجحت في اجبار الجانب الاسرائيلي على ازالة دبابات ومواقع استحدثت في وقت سابق قرب معبر رفح بعد تحرك مصري حازم. واكد ان الدبلوماسية المصرية تتبع مسارات قانونية دقيقة لضمان عدم المساس بالسيادة الوطنية او خرق الترتيبات الامنية المتفق عليها.
ابعاد المنطقة د والبروتوكول الامني
وتعد المنطقة د وفقا للملحق العسكري لاتفاقية السلام الموقعة عام 1979 منطقة محدودة التسليح والقوات. واوضح خبراء استراتيجيون ان الهدف من هذا التوصيف هو خلق عازل امني يمنع الاحتكاك المباشر ويحافظ على حالة الاستقرار. واضافوا ان اي محاولة من الجانب الاسرائيلي لفرض امر واقع جديد عبر انشاء تحصينات دائمة تعتبر مخالفة جوهرية للبروتوكول. واكدوا ان مصر تصر دائما على ان اي تعديل او تغيير في طبيعة التواجد العسكري يجب ان يمر عبر القنوات الرسمية وبموافقة الاطراف المعنية.
وبين الدكتور طارق فهمي المتخصص في الشؤون الاسرائيلية ان تل ابيب تحاول استغلال الاوضاع الراهنة للضغط باتجاه تعديل بعض بنود المعاهدة. واضاف ان المطالب الاسرائيلية بهذا الشان تقابل برفض مصري قاطع ومستمر. واشار الى ان القاهرة قد تكون منفتحة فقط على مناقشة تحديث البروتوكول الامني المرتبط بالمنطقة الحدودية بشرط التزام اسرائيل بخطط الانسحاب الكامل من غزة. واوضح ان الموقف المصري يرتكز على الثوابت الوطنية التي ترفض المساس بالاتفاقية او تحويلها لاداة لتحقيق مكاسب تكتيكية اسرائيلية.
وكشف فهمي ان الحكومة الاسرائيلية تواجه ضغوطا وانتقادات داخلية بسبب هذه الاستفزازات. واضاف ان جنرالات في الجيش الاسرائيلي ابدوا قلقهم من ان تؤدي هذه التحركات الى صدام غير محسوب مع الجيش المصري. وشدد على ان زيارة رئيس الاركان المصري الفريق احمد خليفة للشريط الحدودي في وقت سابق كانت رسالة واضحة بشان الجاهزية المصرية. واكد ان القاهرة رغم حرصها على السلام تظل حريصة على حماية حدودها بكل الوسائل المتاحة ووفقا للشرعية الدولية.
موقف القاهرة الثابت من المعاهدة
واكد مصدر مصري رفيع ان الدولة تراقب كافة التطورات على الاتجاه الاستراتيجي الشمالي الشرقي بدقة متناهية. واضاف ان مصر تلتزم التزاما كاملا بنصوص كامب ديفيد طالما التزم الطرف الاخر. وشدد على ان القاهرة لا تملك اي اجندة لتعديل او الغاء المعاهدة في الوقت الراهن. وبين ان العمل يجري على قدم وساق لتقديم الملاحظات والشكاوى ضد اي خرق اسرائيلي للجهات المعنية بمراقبة التنفيذ.
واوضح المصدر ان القوات المسلحة المصرية تتبع سياسة ضبط النفس المدروس مع الاحتفاظ الكامل بحق الرد في حال تجاوزت التهديدات الخطوط الحمراء. واضاف ان مصر ترفض بشكل قاطع مخططات تهجير سكان غزة وتعتبرها تهديدا للامن القومي. وشدد على ان مصر ستظل حائط الصد الاول ضد اي محاولات اسرائيلية لفرض واقع جديد على الحدود. واكد ان القاهرة مستمرة في دورها كوسيط فاعل مع التمسك الصارم بحقوقها السيادية وبنود المعاهدة الموقعة.
واشار متابعون الى ان حالة الترقب ستظل سيدة الموقف في ظل رفض اسرائيل التراجع عن تحصيناتها الجديدة. واضافوا ان الايام القادمة ستكشف مدى استجابة واشنطن للشكاوى المصرية بشان هذه الخروقات. وشدد الخبراء على ان استقرار المنطقة يعتمد بشكل اساسي على احترام كافة الاطراف للاتفاقيات المبرمة. واكدوا ان اي محاولة للعبث بالوضع الامني القائم لن تؤدي الا لمزيد من التعقيد في المشهد الاقليمي المتفجر اصلا.
