يحاول حزب الله واسرائيل في الوقت الراهن فرض واقع ميداني جديد يخدم مصالحهما الاستراتيجية عقب تفاهمات وقف اطلاق النار التي رعتها واشنطن وطهران في سويسرا، حيث يسعى الطرفان لتعزيز اوراقهما التفاوضية حول الملفات الشائكة وابرزها الانسحاب من الاراضي اللبنانية ومصير سلاح الحزب. واكدت المعطيات الميدانية ان اسرائيل تحاول التمسك بهامش واسع لحرية الحركة، بينما يكتفي حزب الله بمراقبة الانتهاكات وتوثيقها معلنا التزامه بوقف النار حتى اللحظة. وبينت التطورات الاخيرة ان الخروقات الاسرائيلية تركزت في المناطق الواقعة ضمن الخط الاصفر، وشملت استهداف سيارات واطلاق نار مباشر وقصف منازل، في محاولة لترسيخ قواعد اشتباك جديدة.

تراجع سقف حرية الحركة الاسرائيلية

واشار مراقبون الى ان حرية الحركة التي تتمتع بها القوات الاسرائيلية اليوم تبدو اقل بكثير مما كانت عليه في اعقاب اتفاق نوفمبر، حيث لم يتضمن الاتفاق الرسمي اي نص يمنح تل ابيب حقا مطلقا في العمل العسكري داخل لبنان. واضافت المصادر ان ما يتردد عن وجود ورقة رديفة او تفاهم جانبي امريكي اسرائيلي لا يعدو كونه محاولة لشرعنة التدخل العسكري تحت ذريعة الدفاع عن النفس عند استشعار تهديد وشيك. واوضحت التقديرات ان الجيش الاسرائيلي الذي نفذ عمليات واسعة طيلة خمسة عشر شهرا اصطدم الان بضغوط دولية وقيود امريكية تحصر نشاطه الميداني في نطاقات جغرافية محددة.

بين الرؤية الاسرائيلية والرفض اللبناني

وكشفت التصريحات الاخيرة لرئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو عن اصرار تل ابيب على الاحتفاظ بحرية كاملة للتحرك ضد التهديدات المباشرة، وهو ما قوبل برفض قاطع من الامين العام لحزب الله نعيم قاسم الذي اعتبر ان ربط وقف النار بحرية التصرف الاسرائيلي هو استمرار للعدوان. واوضح الباحث في شؤون الامن والدفاع رياض قهوجي ان هناك فوارق جوهرية بين المرحلة السابقة والوضع الحالي، مشددا على ان التحرك الاسرائيلي اصبح مقيدا بمناطق محاذية للخط الاصفر وبموافقات دولية تمنع الانفلات نحو حرب شاملة. واكد العميد المتقاعد منير شحادة ان اسرائيل تسعى للتحول من استهداف التهديدات المباشرة الى فرض سياسة الاستهداف الوقائي لمنع اي اعادة بناء للقدرات العسكرية، وهو ما ترفضه السلطات اللبنانية والمقاومة بشكل حاسم.

ميزان القوى وحسابات الميدان

واضاف شحادة ان حزب الله يتبع استراتيجية النفس الطويل في التعامل مع الخروقات، حيث يختار الوقت والمكان المناسبين للرد دون الانزلاق الى مواجهة مفتوحة قد تحرج حلفاءه في طهران. وبين قهوجي ان الحزب يدرك كونه الطرف الاضعف في المعادلة الحالية، وبالتالي فان مصلحته تكمن في الحفاظ على وقف اطلاق النار لتقليل حجم الخسائر البشرية والمادية. وكشفت الاحداث الميدانية الاخيرة، بما فيها الغارات التي استهدفت سيارات في زوطر وميفدون، ان التوتر لا يزال قائما، وان محاولات اسرائيل لفرض امر واقع في المناطق الحدودية لا تزال تصطدم بتعقيدات الواقع اللبناني الذي يرفض المساس بسيادته.