تستعد اثيوبيا لخوض مرحلة سياسية فاصلة عبر اطلاق حوار وطني شامل منتصف شهر يوليو المقبل، وذلك بعد انتهاء ماراثون الانتخابات التي عززت من نفوذ الحزب الحاكم. وتسعى اللجنة الوطنية للحوار الى وضع حد للتوترات الداخلية التي تعصف ببعض الاقاليم، مستندة في ذلك الى ثمانية محاور رئيسية تم تحديدها بناء على مشاورات واسعة شملت اكثر من الف ومئتي دائرة ادارية في مختلف انحاء البلاد.
واوضحت لجنة الحوار الوطني ان هذه المحاور تشكل الهيكل الاساسي للنقاشات، حيث تغطي قضايا جوهرية مثل الهوية الوطنية، ونظام الحكم الفيدرالي، والتماسك الاجتماعي، ومستقبل الدولة الاثيوبية. واكدت اللجنة ان هذه الرؤية جاءت نتاجا لعمليات جمع مقترحات ومراجعات دقيقة استمرت لسنوات، بهدف معالجة جذور النزاعات التي عانت منها البلاد طويلا، وتعزيز فرص المصالحة المستدامة.
وبين رئيس اللجنة البروفسور مسفن ارايا ان هذه الخطوة تمثل فرصة تاريخية لصياغة رؤية مشتركة، مشيرا الى ان نجاح هذا المسار يتوقف بشكل مباشر على مدى المشاركة الشعبية الواسعة والمسؤولية الجماعية تجاه مستقبل البلاد. واضاف ان الحوار يهدف الى خلق ارضية للتوافق والتفاهم والانخراط السلمي بين مختلف مكونات المجتمع، بما يضمن استقرار البلاد على المدى الطويل.
محاور الحوار الوطني وتحديات الواقع الميداني
وكشفت اللجنة ان الاجندة المقررة ستتناول ايضا آليات تقاسم السلطة، والحكم الدستوري، واطر ادارة الدولة، اضافة الى تعزيز الوئام بين اتباع الاديان المختلفة وحماية حقوق الانسان. واوضحت ان هذه القضايا تمثل تطلعات المواطنين ومخاوفهم، مؤكدة ان الهدف النهائي هو بناء مؤسسات قوية وسيادة قانون تضمن الاستجابة للتحديات التي تواجه المجتمعات الزراعية والرعوية على حد سواء.
واظهرت التقديرات السياسية ان هناك تحديات كبيرة تواجه هذا الحراك، خاصة في ظل استمرار التوترات في اقليمي امهرة وتيغراي، حيث لا تزال القوى المعارضة تتبنى مواقف متحفظة تجاه العملية السياسية برمتها. واكد مراقبون ان غياب هذه الاطراف عن طاولة الحوار قد يجعل من النتائج مجرد تحركات شكلية ما لم تقترن بتنازلات حقيقية من كافة الاطراف المعنية.
واضاف مدير مركز دراسات شرق افريقيا عبد الله احمد ابراهيم ان الحكومة الاثيوبية تحاول الترويج لتقدم ملموس عبر هذه المحاور، لكن الواقع الميداني يتطلب معالجة حقيقية للازمات التي تلت الانتخابات. وشدد على ان نجاح الحوار مرهون بمدى قدرة السلطة على استيعاب الاطراف الرافضة، محذرا من ان تحول المسار الى مجرد هندسة سياسية سيؤدي الى استمرار دوامة الصراع بدلا من انهائها.
دعوات للمشاركة ورهان على الاستقرار
واكدت السلطات الاثيوبية ان المنتدى الوطني المقرر في العاصمة اديس ابابا يمثل محطة مفصلية، مشددة على ضرورة معالجة كافة الخلافات السياسية تحت مظلة الاطر الدستورية ومؤسسات الدولة. ودعت اللجنة الوطنية جميع الاطراف التي لم تنخرط بعد في العملية السياسية الى المشاركة الفاعلة، معتبرة ان الحوار هو السبيل الوحيد لتجاوز ارث الحروب والاضطرابات التي شهدتها البلاد خلال الاعوام الماضية.
واضاف المسؤولون ان الحفاظ على اتفاق السلام الموقع في بريتوريا يظل اولوية قصوى، مطالبين بضغط دولي حازم لمنع اي محاولات لتقويض الاستقرار او العودة الى الصراعات المسلحة. وبينت التقارير ان الحكومة تسعى من خلال هذا الحوار الى تقديم صورة ايجابية للمجتمع الدولي، مع التركيز على بناء آليات مستدامة لتسوية النزاعات الداخلية.
وشدد خبراء على ان الاختبار الحقيقي يكمن في مدى جدية الاطراف في تقديم تنازلات متبادلة، حيث ان الاستقرار في اثيوبيا لا يتحقق بمجرد عقد الاجتماعات بل بمدى القدرة على تحقيق اختراق حقيقي في ملفات الهوية ونظام الحكم. واكدوا ان مستقبل البلاد مرهون بالقدرة على تحويل هذه المحاور الثمانية الى واقع ملموس يلامس حياة المواطنين ويضمن لهم مستقبلا آمنا ومستقرا.
