تتصاعد وتيرة الاستهدافات الاسرائيلية في قطاع غزة لتتجاوز الاغتيالات التقليدية وتصل الى عمق الشبكات المالية التي تديرها حركة حماس. وتكشف المعطيات الميدانية الاخيرة عن تركيز عسكري مكثف لتعقب منظومة تحويل الاموال التي تعتمد عليها الحركة في ادارة انشطتها المختلفة. وبينما تشير البيانات العسكرية الى نجاحات جزئية في تصفية بعض القائمين على هذه الشبكات، فان محاولات الاغتيال الاخيرة في احياء مكتظة مثل حي الرمال تعكس اصرار تل ابيب على تجفيف المنابع المالية للفصائل الفلسطينية.
واظهرت وقائع محاولة اغتيال صراف مالي في غزة مؤخرا مدى تعقيد هذه العمليات، حيث استخدمت الطائرات المسيرة صواريخ دقيقة لاستهداف مركبة المستهدف. واوضحت مصادر ميدانية ان المستهدف تمكن من النجاة بنفسه رغم تدمير مركبته، مؤكدة ان هذا الشخص يرتبط بعلاقات قرابة مع قيادات ميدانية سابقة في الجناح العسكري للحركة تم تصفيتها في فترات سابقة. وبينت الحادثة ان المستهدف كان يحمل حقيبة تحتوي على مبالغ نقدية واوراق هامة، وهو ما عزز الشكوك الاسرائيلية حول دوره المحوري في نقل الاموال من الخارج الى داخل القطاع.
واكدت تقارير استخباراتية اسرائيلية ان هذه العمليات تأتي ضمن استراتيجية شاملة تهدف الى شل القدرات الاقتصادية لحماس. واشار الجيش الاسرائيلي في بيانات سابقة الى استهداف شبكة واسعة تضم عشرات الصرافين يعملون بين تركيا وقطاع غزة، زاعما ان هذه الشبكة نجحت في تحويل مبالغ طائلة لصالح الجناح العسكري. وشدد البيان على ان تصفية هؤلاء الافراد تهدف مباشرة الى اعاقة دفع رواتب العناصر المسلحة وضمان عدم استمرار التمويل للعمليات الميدانية.
استراتيجية تجفيف منابع التمويل
وكشفت مصادر من داخل حماس ان الحركة تواجه ضغوطا مالية كبيرة نتيجة هذه الملاحقات المستمرة. واوضحت المصادر ان اسرائيل تستهدف البنية التحتية الاقتصادية، بما في ذلك الشركات والمحال التجارية والمؤسسات الخيرية التي تشتبه في كونها واجهات لنقل الاموال. واضافت ان الحركة تحاول الحفاظ على توازن مالي لصرف رواتب عناصرها بشكل منتظم رغم الازمات الاقتصادية الخانقة التي يعاني منها القطاع، مشيرة الى ان التحدي يكمن في استمرار تدفق الاموال عبر قنوات سرية تواجه مراقبة تكنولوجية واستخباراتية مشددة.
وبينت التحليلات ان عمليات الاغتيال لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد لتشمل قيادات في الاجهزة الامنية والاستخباراتية. واكد مراقبون ان التنسيق بين جمع المعلومات الاستخباراتية والعمليات العسكرية بات اكثر دقة، مما يفسر تزايد وتيرة استهداف المسؤولين عن الملفات الحساسة. واضافت المصادر ان الاحتلال يستثمر في شبكة من المتخابرين والادوات التقنية المتطورة لرصد تحركات الاشخاص المرتبطين بالمنظومة المالية للحركة.
واكد جهاز الامن العام الاسرائيلي الشاباك في سياق مواز انه تمكن من احباط سلسلة من العمليات في الضفة الغربية كانت موجهة من قبل قيادات في الخارج. واوضح الشاباك ان التمويل كان يصل عبر شبكة واسعة من الصرافين والنشطاء الذين يستغلون ثغرات مالية لنقل الاموال الى خلايا محلية. وبينت التحقيقات ان بعض هذه الخلايا كانت تتلقى توجيهات مباشرة من قيادات مقيمة في تركيا، مما دفع اسرائيل الى تكثيف ضغوطها على هذه الشبكات في مختلف الساحات.
ارتباطات مالية عابرة للحدود
واشارت تقارير الى ان التاريخ يعيد نفسه في هيكلية حماس المالية، حيث يعتمد النظام على كوادر مخضرمة تمتلك خبرة في ادارة الاموال. واوضحت المصادر ان الكثير من الاسماء المطلوبة اليوم كانت جزءا من صفقات تبادل اسرى سابقة، حيث انتقل بعضهم للعيش في الخارج لادارة الاموال بعيدا عن الرقابة المباشرة. واضافت ان هذا التوزيع الجغرافي للنشطاء جعل من الصعب على اسرائيل انهاء هذه المنظومة بالكامل، رغم عمليات التصفيات التي طالت رؤوسا مدبرة خلال الشهور الماضية.
وذكرت التحليلات ان حماس تحاول التكيف مع الواقع الجديد من خلال تنويع طرق نقل الاموال وتفتيت الشبكات المالية لتجنب الضربات الكبيرة. واكدت ان الصراع المالي اصبح موازيا تماما للصراع العسكري، حيث تدرك اسرائيل ان ضرب قدرة الحركة على تمويل انشطتها هو السبيل الاكثر فاعلية لتحجيم قوتها على المدى البعيد. وبينت الاحداث الاخيرة ان المعركة لم تعد تدور فقط في الميادين، بل في اروقة البنوك وشركات الصرافة وشبكات التحويل الرقمي التي باتت هدفا استراتيجيا تحت مجهر الطائرات المسيرة.
