في ركن هادئ بمدينة بيت ساحور شرق بيت لحم ينهمك الفنان التشكيلي يعقوب الاطرش في ترتيب حجارة صغيرة ملونة بدقة متناهية لتتشكل بين يديه لوحات فنية تنبض بالهوية الفلسطينية. يستخدم الاطرش ادوات يدوية تقليدية بعيدا عن صخب الحداثة التي قد تسلب الاعمال الفنية روحها واصالتها حيث يحرص على ان تظل كل قطعة شاهدة على عمق الجذور في هذه الارض.

واكد الاطرش ان هذا الفن ليس مجرد مهنة لكسب الرزق بل هو رسالة وطنية تهدف لترسيخ الوجود الفلسطيني وكتابة التاريخ عبر حجر الفسيفساء الذي يراه حجر الزاوية في الحفاظ على الموروث الثقافي. واضاف ان الفسيفساء تمنحه طاقة متجددة وتدفعه لمواصلة مشواره رغم التحديات الكبيرة التي تواجه الحرف التراثية في فلسطين.

وبين الفنان انه يسعى لنقل خبراته للاجيال الناشئة من خلال دورات تدريبية مكثفة لطلاب المدارس لضمان عدم اندثار هذا الفن العريق. وشدد على ان الخوف من ضياع الارث الفني يتطلب تكاتف الجهود المجتمعية والوطنية لان الفسيفساء جزء لا يتجزأ من التاريخ الحضاري الذي تعرض لمحاولات طمس مستمرة.

مسؤولية وطنية لحماية التراث

واوضح الاطرش ان المسؤولية لا تقع على عاتق الفنان وحده بل تمتد لتشمل المؤسسات الرسمية والحكومية التي يجب ان تدعم هذه الصناعة التراثية. واشار الى ان ضياع هذه الاعمال يعني فقدان جزء مهم من الذاكرة كما هو الحال في خارطة فلسطين التاريخية الموجودة في مأدبا والتي صمدت لالاف السنين.

وكشفت اعمال الاطرش عن تنوع كبير في المواضيع حيث يوثق في مشغله معالم دينية مثل كنيسة الطابغة في طبريا وشخصيات وطنية ملهمة كالمسعفة الشهيدة رزان النجار. واضاف موضحا ان اللوحة الواحدة قد تستغرق ما بين ثلاثة الى خمسة اشهر من العمل المتواصل تبعا لحجم الحجر وتعقيدات التصميم المطلوب.

واكد الفنان ان طموحه يتجاوز مجرد الانتاج الفني اذ يطالب بدعم حقيقي وملموس يتجاوز شهادات التقدير المعنوية التي لا توفر مقومات الاستمرار. واضاف مشيرا الى ان الفن هو شكل من اشكال النضال للبقاء وسط تراجع الحرف التراثية الاخرى كاعمال الصدف وخشب الزيتون.

الفسيفساء هوية راسخة عبر العصور

وبين الاطرش ان فلسطين تمتلك ارثا فسيفسائيا هو الاضخم في العالم مستشهدا بلوحة شجرة الحياة الموجودة في قصر هشام بمدينة اريحا التي تعد اكبر لوحة فسيفسائية متصلة. واكد ان مشغله يمثل مساحة لروحه حيث يجد في كل حجر يضعه قصة تروي حكاية الارض التي ترفض النسيان.

واضاف ان استمراره في هذا الفن رغم الصعوبات هو تحدي للبقاء في وجه محاولات التهميش التي تتعرض لها الثقافة الفلسطينية. واوضح في ختام حديثه انه سيظل يدافع عن هذا الفن بكل ما اوتي من قوة لانه يدرك ان الفسيفساء هي التي ستكتب تاريخنا للاجيال القادمة.