بقلم: عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي
ما إن يتولى أحدهم منصبًا حتى تبدأ حفلات التهاني والتبريكات، وتنهال عبارات المديح والثناء، وكأننا أمام إنجاز وطني عظيم. وتتكرر العبارة المحفوظة: «بكم تكبر المناصب، والكرسي يكبر بكم»، حتى باتت تُقال للجميع، دون تمييز بين من يستحقها ومن لا يستحقها!
ألهذه الدرجة أصبحت المناصب معيارًا لقيمة الرجال؟ أم أننا نعيش زمنًا تُقاس فيه مكانة الإنسان بموقعه، لا بمواقفه وإنجازاته؟
كفى شعارات عن القيم والمبادئ، وكفى مسرحيات مكشوفة يتبادل فيها البعض الأدوار؛ هذا يهنئ، وذاك يمدح، وثالث يبالغ في الثناء، وكأن التملق أصبح من أصول الوفاء، والمجاملة واجبًا لا يجوز التخلف عنه!
والحقيقة التي ينبغي أن تقال بوضوح: ليس كل من جلس على كرسي أصبح رجل دولة، وليس كل من حمل لقبًا اكتسب قيمة، وليس كل منصب يستحق الاحتفاء.
هناك رجال يمنحون مناصبهم هيبةً بما يحملونه من كفاءة ونزاهة وتاريخ مشرف، وهناك من يمنحهم المنصب وجاهةً مؤقتة، فإذا غادروه انكشف حجمهم الحقيقي.
وبصراحة، بعضهم لولا المنصب لما التفت إليه أحد، ولما استحق كل هذا المديح الذي يُغدق عليه! فمنهم قبل المنصب لا احد كان يلقي عليه السلام ؟
لسنا ضد التهنئة الصادقة، ولا ضد احترام المسؤولين وتقدير الكفاءات، لكننا ضد أن يتحول المديح إلى تجارة، وأن تصبح العلاقات والمصالح بوابةً لتوزيع الألقاب، وأن يتحدث البعض عن المبادئ صباحًا، ثم يتخلون عنها مساءً عندما تتغير المصالح.
أين ذهبت القيم التي أشبعتمونا حديثًا عنها؟ وأين المبادئ عندما يصبح صاحب المنصب هدفًا للمجاملة، بصرف النظر عن كفاءته أو إنجازه؟ أليس الأجدر أن ننتظر ما سيقدمه المسؤول لوطنه ومواطنيه، بدلًا من منحه شهادات النجاح قبل أن يبدأ عمله؟
استحوا من عقول الناس؛ فليس كل صامت غافلًا، وليس كل مبتسم مقتنعًا، وليس كل من يصفق مؤمنًا بما يقول.
إن المنصب تكليف لا تشريف، ومسؤولية لا وجاهة، واختبار لمعدن الإنسان لا فرصة لاستعراض مكانته. والرجال الحقيقيون لا يحتاجون إلى من يرفعهم بالكلمات؛ فأعمالهم ومواقفهم هي التي تتحدث عنهم.
أما الذين يصرون على ترديد عبارة «بكم تكبر المناصب»، فنقول لهم: نعم، تكبر المناصب بأصحاب الكفاءة والمواقف المشرفة، لكن لا تجعلوا من كل تعيين بطولة، ولا من كل مسؤول رمزًا، ولا من كل كرسي دليلًا على عظمة الجالس عليه.
فالكرسي لا يصنع رجلًا، واللقب لا يمنح صاحبه قيمة، والتصفيق لا يحوّل الفشل إلى نجاح.
… تذكروا أن المناصب زائلة، والكراسي تتبدل، أما سمعة الإنسان ومواقفه فتبقى في ذاكرة الناس.
فمن كان كبيرًا بأخلاقه بقي كبيرًا بعد مغادرة منصبه، ومن استمد قيمته من كرسيه، فقد يفقد كل شيء بمجرد أن ينهض عنه.
كفى تبريكات وتهاني بلا معنى، وكفى مديحًا على حساب الحقيقة؛ فالرجال تُعرف بمواقفها، وتُقاس بإنجازاتها، ويمنحها الناس احترامهم عن قناعة، لا بموجب قرار تعيين
