المهندس زيد نفاع 

الامين العام لحزب عزم 

هزّت الجريمة الإرهابية التي شهدتها الكرك مشاعر الأردنيين جميعًا، وأعادت إلى الواجهة أسئلة خطيرة حول الفكر التكفيري الإجرامي، ومنابع التطرّف، والجهات التي تقف وراءه، والسبل الكفيلة باجتثاثه من جذوره قبل أن يتحوّل إلى سرطان ينهش جسد المجتمع والدولة.

كيف وصل الأمر إلى أن يحمل أبناء الوطن السلاح في وجه أبناء وطنهم؟ وما الذي يدفع إنسانًا إلى استباحة الدماء، وانتهاك حرمة بيوت العبادة، وتحويل أماكن يفترض أن تكون ملاذًا للطمأنينة والإيمان إلى ساحات للعنف والقتل؟

هذه ليست أسئلة عابرة، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها مجرد حدث أمني ينتهي بانتهاء التحقيقات؛ إنها أسئلة فكرية واجتماعية ووطنية تستوجب البحث العميق والمواجهة الشاملة.

لقد انشغل المحللون بالبحث في طبيعة هذا الفكر الإجرامي، وما إذا كانت جذوره وامتداداته داخلية أم خارجية، ومن يقف خلفه، وكيف تشكّلت هذه القناعات المنحرفة في عقول مرتكبي الجريمة. لكن السؤال الأهم الذي يجب أن يسبق كل ذلك هو: كيف نمنع إنتاج هذا الفكر من جديد؟ وكيف نكتشف بؤر الكراهية والتكفير قبل أن تتحوّل إلى رصاص يقتل الأبرياء؟

إن جريمة بهذا الحجم تضع الدولة والمجتمع أمام مسؤولية وطنية كبرى، لا تقتصر على الأجهزة الأمنية وحدها، بل تمتد إلى المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية والثقافية والسياسية، وإلى كل أسرة أردنية تؤمن بأن حماية الوطن تبدأ بحماية عقول أبنائه.

إن أخطر ما يمكن أن تخلّفه هذه الجرائم هو أن تنجح في بث الشك بين الأردنيين، أو أن تجعل أحدهم ينظر إلى أخيه في الوطن بعين الريبة بسبب دينه أو هويته. فالوحدة الوطنية الأردنية ليست شعارًا موسميًا نرفعه عند الأزمات، بل هي حقيقة اجتماعية وتاريخية تشكّلت عبر أجيال من العيش المشترك، والتكافل، والشراكة في بناء الدولة والدفاع عنها.

فهل المطلوب اليوم أن نعيد النظر في خطابنا الوطني، أم أن نكتفي بترديد شعارات الوحدة الوطنية؟

الحقيقة أن الشعارات وحدها لا تكفي. فالوحدة الوطنية تحتاج إلى وعي يحميها، ومؤسسات تعزّزها، وخطاب مسؤول يصونها، وعدالة تضمن أن يشعر كل مواطن بأن كرامته وأمنه وحقوقه مصونة، بصرف النظر عن دينه أو خلفيته الاجتماعية.

إن استهداف دور العبادة، إن ثبتت دلالته في أي جريمة، لا يمثّل اعتداءً على أشخاص بعينهم فحسب، بل يحمل خطرًا يتجاوز الضحايا إلى محاولة ضرب الثقة بين أبناء المجتمع الواحد. ولذلك، فإن مواجهة هذا الخطر تتطلب يقظة أمنية، وتحقيقًا مهنيًا شفافًا، ومحاسبة قانونية صارمة لكل من تثبت مسؤوليته، بعيدًا عن الشائعات والاتهامات غير المستندة إلى أدلة.

ومن هنا، تبرز أسئلة لا يجوز تجاهلها: من الذي يغذّي خطاب التكفير والكراهية؟ ومن الذي يروّج لتبرير العنف باسم الدين؟ وهل توجد مؤشرات أو تحذيرات سابقة لم تُؤخذ بالجدية اللازمة؟ وما مسؤولية المؤسسات التي يُفترض أن تسهم في حماية المجتمع من الانحراف الفكري؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة يجب أن تستند إلى التحقيق والأدلة، لا إلى التخمين، وأن تكون غايتها كشف الحقيقة، وتحديد المسؤوليات، ومنع تكرار الجريمة.

علماء الوطن بحاجة إلى اختراع دواء للتطرّف

إننا بحاجة إلى علماء الدين المعتدلين، وعلماء الاجتماع والنفس، والتربويين، والباحثين، والمفكرين، وخبراء الإعلام والاتصال، كي يعملوا معًا على تشخيص جذور التطرّف، وتطوير أدوات فكرية وتربوية واجتماعية قادرة على تحصين الأجيال من سموم التكفير والكراهية.

فإذا كان الطب يبحث عن دواء يقضي على المرض ويحمي الإنسان من مضاعفاته، فإن علماء الوطن ومفكريه مطالبون بابتكار ما يشبه الدواء الفكري الذي يعالج أسباب التطرّف، ويفكّك خطاباته، ويكشف تناقضاته، ويمنع انتقال عدواه إلى عقول الشباب.

ولن يكون هذا الدواء خطبة عابرة، أو ندوة موسمية، أو بيانًا يُنشر بعد وقوع الكارثة؛ بل مشروعًا وطنيًا مستدامًا يبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة، ويمتد إلى المسجد والكنيسة والإعلام والمنصات الرقمية، ويقوم على ترسيخ قيم المواطنة، واحترام الاختلاف، والتفكير النقدي، ورفض العنف، وتجفيف منابع التحريض والتكفير.

كما أن محاربة الفكر المتطرّف لا تعني محاربة التدين، ولا يجوز الخلط بين الإيمان والاعتدال من جهة، والتكفير والإرهاب من جهة أخرى. فالتديّن الذي يحترم الإنسان وكرامته يختلف جذريًا عن خطاب يستبيح دمه ويمنح نفسه حق الحكم على عقيدته وحياته.

لا تهاون مع الإرهاب، ولا تساهل مع خطاب الكراهية

إن حماية الأردن تقتضي موقفًا حازمًا لا لبس فيه: لا مكان للإرهاب في وطننا، ولا حصانة لمن يحرّض على القتل أو يبرّر استباحة الدماء، ولا تهاون مع كل من تثبت مسؤوليته عن التخطيط لهذه الجرائم أو تنفيذها أو تمويلها أو التحريض عليها.

وعلى الدولة أن تستخدم جميع الوسائل القانونية والأمنية اللازمة لملاحقة المتورطين، وتفكيك الشبكات الإجرامية، ومحاسبة كل من يثبت تورطه، مع الالتزام بسيادة القانون وضمانات العدالة. فالضرب بيد من حديد يجب أن يكون على الإرهاب ومصادره وشبكاته، لا على الأبرياء، ولا على أساس الشبهة أو الانتماء أو الاختلاف.

وفي المقابل، فإن مسؤوليتنا كمواطنين تفرض علينا ألّا نكون شهودًا صامتين على التحريض، وألّا نسمح بتحوّل منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات لنشر الكراهية والتكفير. ومن يمتلك معلومات جدية عن مخطط إجرامي، فعليه إبلاغ الجهات المختصة، بدلًا من تداول الشائعات أو نشر معلومات قد تعرّض التحقيقات للخطر.

إن المعركة مع التطرّف لا تُحسم بالقبضة الأمنية وحدها، على أهميتها وضرورتها، ولا بالخطاب الفكري وحده؛ بل بتكامل الأمن والعدالة والتعليم والتوعية، وبناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

الأردن أقوى بوحدته الوطنية

في هذه اللحظات الصعبة، نقف صفًا واحدًا خلف جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، ونؤكد أن حماية الأردن وأمنه واستقراره مسؤولية مشتركة، وأن وحدة الأردنيين خط أحمر لا يجوز المساس به.

لكن الوقوف خلف القيادة لا يعني الاكتفاء بالمواقف العاطفية؛ بل يقتضي عملًا مؤسسيًا جادًا، ومراجعة مسؤولة لمواطن الخلل، ومواجهة صريحة لكل خطاب يحاول تقسيم المجتمع أو زرع الفتنة بين أبنائه.

إن الأردن الذي بناه أبناؤه معًا، مسلمين ومسيحيين، لا يجوز أن يسمح لمجموعة من أصحاب الفكر التكفيري بأن تختطف صورته، أو تشوّه تاريخه، أو تهدم ما راكمه الأردنيون من ثقة وتعايش وشراكة وطنية.

إن التطرّف سرطان فكري، والإرهاب هو أحد أخطر أعراضه؛ واستئصاله يتطلب شجاعة في المواجهة، وصرامة في تطبيق القانون، وحكمة في معالجة أسبابه، ووعيًا وطنيًا لا يسمح بانتشار عدواه.

فلتكن هذه الجريمة جرس إنذار يدفعنا إلى عمل وطني شامل، لا إلى الخوف والانقسام؛ وإلى مواجهة الفكر التكفيري بالحجة والعلم، والإرهاب بالقانون والأمن، والكراهية بالمواطنة والعدالة.

حمى الله الأردن، وحمى جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وحفظ أبناء شعبنا الأردني الواحد، مسلمين ومسيحيين، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار والوحدة الوطنية.

الأردن سيبقى عصيًا على الإرهاب، ما دام أبناؤه موحّدين، ودولته يقظة، ومؤسساته قادرة على حماية الوطن من كل فكر يستبيح الإنسان والحياة.