بقلم المحامية ريم المصري
أوجعتنا حادثة الكرك، التي استهدفت إحدى الكنائس وأدّت إلى سقوط ضحايا ووقوع إصابات؛ فالمصاب أصاب الأردنيين جميعًا، والاعتداء على حياة الإنسان وحرمة دور العبادة يمسّ أمن الوطن وقيمه المشتركة. وجاء موقف جلالة الملك عبدالله الثاني حازمًا في التأكيد على محاسبة مرتكبي الجريمة وصون وحدة الأردنيين، معززًا الثقة بتماسك الوطن ومؤسساته.
ونثمّن جهود الأجهزة الأمنية في حماية الوطن ومتابعة الجريمة وملاحقة المسؤولين عنها، ونؤكد أهمية دورها في التوعية، بما تملكه من خبرة ميدانية تسهم في تعريف المجتمع بمخاطر التطرف وأساليب الاستدراج والتحريض وسبل الوقاية منها. وتبقى مساندة جهودها مسؤولية مشتركة، بالالتزام بالمعلومات الرسمية، وتجنّب الشائعات، وإتاحة المجال للعدالة لتأخذ مجراها.
وبعد هذه الحادثة، يبرز واجبنا في تحويل الألم إلى عمل يحمي مجتمعنا من الفكر الذي يبرّر القتل. فالإرهاب لا وطن له ولا دين، ولا يجوز تحميل جريمة مرتكبيه لدين أو منطقة أو مكوّن اجتماعي؛ إذ يحدد القانون المسؤوليات، وتبقى المواطنة المتساوية واحترام حياة الإنسان أساسًا يجمعنا.
ومن هنا، ندعو الجهات المعنية إلى تبنّي حملة وطنية منسّقة ومستدامة، تتكامل فيها جهود الأجهزة الأمنية والوزارات والمؤسسات التعليمية والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الدينية ووسائل الإعلام. حملة تصل إلى الناس عبر خطب المساجد وعظات الكنائس، والمقالات والبرامج والمنصات الرقمية، والمحاضرات والحوارات في المدارس والجامعات والمراكز الثقافية والشبابية، لتؤكد حرمة الدم، وترفض الكراهية، وتكشف محاولات استغلال الدين أو الغضب لتسويغ العنف.
وتقع على المعلمين والمحاضرين والكتّاب والإعلاميين وأصحاب الفكر مسؤولية تقديم خطاب واضح وقريب من الناس، يشرح كيف يبدأ التحريض، وكيف يُستدرج الإنسان إلى قبول الاعتداء على الآخرين، وكيف يواجه الأفكار التي تنزع عن المختلف حقه في الحياة والكرامة. ويعزّز هذا الجهد حوار أسري ينصت إلى الأبناء والبنات، ويتيح لهم السؤال والتعبير دون تخويف أو وصم.
ويجب أن يكون شبابنا وشاباتنا شركاء في إعداد الحملة وتنفيذ مبادراتها، وأن تشمل التوعية تدريبهم على التحقق من المحتوى الرقمي، وتمييز أساليب الاستدراج، ورفض تداول المواد المحرّضة، مع التأكيد على أن الاختلاف والنقد السلمي حق، وأن التحريض على العنف والاعتداء على الآخرين أمر مرفوض.
والغاية من هذه الحملة أن يتحول رفض الإرهاب إلى وعي راسخ وسلوك يومي يحمي المجتمع، من خلال رسائل توعوية مستمرة تتعاون المؤسسات على إيصالها إلى مختلف فئاته. وتجديد ولائنا للأردن وقيادته الهاشمية يتجسد في أداء مسؤولياتنا، واحترام القانون، وحماية بعضنا بعضًا، مسلمين ومسيحيين، أبناء وطن واحد. وحتى لا يتكرّر الوجع، فلنجعل من كل منبر مساحة للتوعية، ومن كل كلمة دعوة لحماية الحياة وصون وحدتنا.
خالص التعازي والمواساة لذوي الضحايا، نشاركهم الألم، ونسأل الله أن يلهمهم الصبر والسلوان، وأن يتغمّد من فقدنا بواسع رحمته، ويسكنهم فسيح جناته مع الشهداء والصديقين والأبرار، ويمنّ على المصابين بالشفاء العاجل. حفظ الله الأردن قيادةً وشعبًا، وأدام عليه الأمن والوحدة والاستقرار.
