كشفت العمليات العسكرية الاخيرة في مدينة الخليل عن تحول جوهري في الاستراتيجية الاسرائيلية التي تتجاوز مجرد ملاحقة منفذي الهجمات لتصل الى مرحلة اعادة هندسة المجال الجغرافي والديموغرافي في الضفة الغربية. وتظهر المعطيات الميدانية ان اجراءات الاخلاء والهدم والاقتحامات المتكررة باتت تفرض واقعا جديدا يهدف الى تقطيع اوصال المدن الفلسطينية وعزلها عن بعضها البعض بشكل كامل.

واوضحت التقارير الميدانية ان التصعيد بدأ عقب اشتباك مسلح عند حاجز فرش الهوى ادى الى مقتل واصابة جنود اسرائيليين، وهو ما استغله الجيش الاسرائيلي ذريعة لتوسيع نطاق عملياته العسكرية. وبينت المؤشرات ان الاوامر العسكرية شملت اخلاء عائلات فلسطينية من منازلها في مناطق الجلدة ودير بحة، بالتزامن مع تلويح رسمي من قبل بنيامين نتنياهو بفرض اغلاق شامل على الضفة الغربية في خطوة تبدو اشبه بمشاريع توسعية كبرى.

واكدت المعلومات الواردة ان رقعة الاقتحامات لم تعد محصورة في الخليل وحدها، بل امتدت لتشمل محافظات شمال الضفة مثل جنين وطولكرم ونابلس. واضافت المصادر ان هذه العمليات تتزامن مع اعلان الجيش عن مناورات عسكرية واسعة في المنطقتين الوسطى والشمالية، مما يثير مخاوف حقيقية من ان تكون هذه التحركات مقدمة لسيطرة اسرائيلية دائمة على مناطق واسعة من الضفة.

استراتيجية التقطيع المتدرج والسيطرة الجغرافية

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي الياس حنا ان ما يحدث في الخليل ليس مجرد حملة امنية عابرة، بل هو تنفيذ عملي لمشروع استيطاني يهدف الى تغيير الطبوغرافيا الفلسطينية. واشار الى ان هذه التحركات تعيد الى الاذهان مخططات قديمة تهدف الى فصل شمال الضفة عن جنوبها، وهو ما سبق ان حذرت منه جهات دولية بوصفه رصاصة الرحمة على حل الدولتين.

وتابع حنا موضحا ان مدينة الخليل التي تعد ثقلا اقتصاديا وديموغرافيا كبيرا، يتم التعامل معها الان كحلقة مركزية في مشروع التقطيع العرضي. وبين ان التحكم في الطرق الحيوية مثل الطريق 60 والطريق 35 يمنح اسرائيل القدرة على التحكم في حركة الفلسطينيين ومنع التواصل بين المدن والقرى، مما يجعل من هذه الممرات ادوات للسيطرة السياسية والجغرافية.

واضاف الخبير ان استحضار مفهوم النجوم السبع الذي صاغه ارييل شارون قديما يظهر بوضوح في المشهد الحالي، حيث يتم استخدام المستوطنات والطرق الالتفافية كأدوات لتطويق التجمعات الفلسطينية. واكد ان الهدف النهائي هو خلق جزر فلسطينية معزولة يسهل التحكم بها امنيا وربطها بالعمق الاسرائيلي عبر شبكات طرق خاصة بالمستوطنين.

من التكتيك الميداني الى التغيير الاستراتيجي الشامل

وكشفت التحليلات ان نتنياهو يتبنى الان صيغة مطورة تسمى الون بلس، والتي تقوم على فرض سيطرة امنية واقتصادية مطلقة على الضفة الغربية. واوضح حنا ان العمليات الحالية في الخليل ليست سوى مستوى عملياتي في مشروع استراتيجي اكبر، يهدف الى تفكيك اي بنية للمقاومة وضرب الاقتصاد الفلسطيني عبر التحكم في الممرات الحيوية للمدن.

وتابع حنا مبينا ان الاستعدادات العسكرية، بما في ذلك تشكيل فرق جديدة وتكثيف القوات في غور الاردن، تشير الى ان اسرائيل تستعد لمرحلة طويلة من المواجهة. واشار الى ان هذه السياسة تتبع نهجا استراتيجيا قديما يعتمد على قضم الارض تدريجيا تارة، وعلى تنفيذ سياسة جز العشب والضربات الاستباقية تارة اخرى لضمان السيطرة الدائمة.

واختتم الخبير قوله بان الضفة الغربية، بمساحتها المحدودة وكثافتها السكانية العالية، تواجه اليوم خطرا وجوديا يتمثل في اعادة رسم خريطتها بشكل قسري. واكد ان استمرار هذا النهج سيؤدي حتما الى تغيير دائم في الواقع الامني والسياسي، مما يجعل من الضفة ارضا مقطعة الاوصال تفتقر الى اي مقومات للدولة او التواصل الجغرافي.