بقلم: نانسي السيوري
ليست كل الحكايات العظيمة تلك التي تبدأ بإمكانات كبيرة؛ فبعضها يبدأ بإيمانٍ صادق، وبأشخاص قرروا أن يمنحوا وقتهم لما هو أكبر من ذواتهم. هكذا أرى حكاية «عربكم»؛ حكاية تؤمن بأن العطاء حين يصبح ثقافة، والمعرفة حين تتحوّل إلى خدمة، والإنسان حين يكون غاية العمل، يمكن أن يصنع كل ذلك أثرًا يتجاوز حدود المكان والزمان.
في الخامس عشر من أيار عام 2015، انطلقت عربكم من الكرك، لتتوسّع في مختلف أنحاء الأردن، وتمتد اليوم إلى سبع دول عربية. لم يكن هذا الانتشار مجرّد توسّع جغرافي، بل خطوة في طريق رسالة واضحة تسعى إلى نشر ثقافة العطاء، وخدمة المعرفة، وفتح مساحات أوسع أمام الإنسان ليكون شريكًا في التغيير.
تضمّ عربكم اليوم أكثر من 1300 عضو، ويشارك في مسيرتها أكثر من 10 آلاف متطوّع، فيما تجاوز عدد المستفيدين من برامجها 250 ألفًا. أرقامٌ تستحق الفخر، لكنها لا تختصر الحكاية؛ فخلف كل رقم إنسان، وخلف كل إنجاز وقتٌ وجهدٌ وإيمان بأن ما نقدّمه اليوم قد يصنع فرقًا في حياة أحدهم غدًا.
ما أراه جوهر هذه التجربة هو أن التطوّع لا يقتصر على تنفيذ الأنشطة أو احتساب الساعات، بل يمتدّ إلى بناء الإنسان، وصقل مهاراته، وتعزيز ثقته بنفسه. فعربكم ليست مساحة للعطاء فحسب، بل بيئة آمنة يجد فيها أفرادها فرصة للتعلّم والنمو والانتماء، ويشعرون بأن لكل واحد منهم دورًا وقيمة وأثرًا.
ولعلّ أجمل ما في العمل التطوعي هو علاقتنا بالوقت؛ فالأيام والساعات والدقائق التي نمنحها لعمل نؤمن به ليست وقتًا ضائعًا، بل أجزاء من أعمارنا نستثمرها في شيء يستحق أن يستمر. قد لا نرى نتائج كل جهد فورًا، لكن بعض الآثار تنمو بصمت، وتظهر حين تتحوّل معرفة اكتسبها شخص إلى فرصة لغيره، أو تجربة إلى بداية جديدة، أو يدٍ امتدت يومًا إلى مصدر أمل لإنسان آخر.
ومن هنا، أوجّه تحية تقدير لكل فرد كان جزءًا من عائلة عربكم؛ لكل من أعطى من وقته وجهده وقلبه، سواء ظهر أثره أمام الجميع أم بقي خلف الكواليس. فنجاح المبادرات لا يُقاس بعدد أنشطتها وحده، بل بقدرتها على أن تصنع أشخاصًا أكثر قدرة، وتفتح أبوابًا جديدة، وتترك أثرًا يتجاوز لحظة الإنجاز.
ومع اتساع رحلة عربكم، تكبر مسؤوليتها في الحفاظ على روح البدايات، وتحويل الحماس إلى عمل مستدام، والإيمان إلى إنجاز، والفرص إلى أثر حقيقي في حياة الناس.
من الكرك بدأت الحكاية، لكنها لم تكن حكاية مكان واحد؛ بل حكاية إيمان بأن العطاء يستحق أن نمنحه من أعمارنا، وأن المعرفة تستحق أن تصل إلى الجميع، وأن الإنسان حين يجد من يؤمن به، يستطيع أن يصبح أكثر مما كان يتوقّع.
وأنا أؤمن أن أجمل ما يمكن أن تتركه عربكم ليس رقمًا نفاخر به، ولا فعالية نستعيد ذكراها، بل إنسانًا تغيّر للأفضل، ومعرفةً وصلت إلى من يحتاجها، وأثرًا يبقى بعد أن تنتهي ساعات العمل. فالعمر يُقاس بالسنوات، لكن قيمته تُقاس بما نمنحه، وبمن نساند، وبما نتركه خلفنا.
ولعربكم، ولكل من آمن برسالتها، أتمنى أن تبقى عائلة تتّسع للجميع، وتعطي من القلب، وتخدم المعرفة، وتصنع أثرًا يجعل كل دقيقة مُنحت لهذه الرحلة جديرة بأن تُعاش.
