سخرية خلف المقود.. عندما تصبح كرامة عامل التوصيل ثمناً لتريند رخيص
بقلم سوزان ابو بكر
نسطر هذا النقد الذي لم يعد يحتمل الصمت تجاه ما تقترفه بعض منصات المطاعم من سقطات أخلاقية تحت مسمى "التسويق الساخر"، حيث طفت على السطح مؤخراً حملة دعائية موحدة وبغيضة تستخدم نصاً معلباً يدعي سرقة "عامل التوصيل" للوجبات بحجة عدم قدرته على مقاومة الطعم، وهو أسلوب لا يمكن وصفه إلا بالانحطاط المهني الذي يقتات على إهانة الفئات الكادحة.
إن هذا "السكربت" المنسوخ الذي تتداوله المطاعم لا يكتفي بالاستخفاف بعقل المستهلك فحسب، بل يذهب أبعد من ذلك ليضرب في صميم كرامة الإنسان وصورته الاجتماعية، فبدلاً من أن يكون العامل شريكاً في النجاح ومحل تقدير لجهده الشاق في الشوارع، تم تصويره في هذه المنشورات ككائن منزوع الإرادة، يسرق أمانته تحت وطأة جوعه أو غريزته، وكأن الفقر والجوع مبرران للاشتباه في نزاهة المرء. هذه النبرة الفوقية المقيتة تعكس عقلية طبقية تجعل من كرامة "الدليفري" مادة للضحك والتهريج،
وتكرس صورة نمطية مهينة تلصق تهمة "خيانة الأمانة" بمن لا يملك صوتاً يدافع به عن نفسه على تلك المنصات، فليس من الإبداع في شيء أن تبني مطاعمكم "برستيجها" على أنقاض سمعة عمالها، وليس من الذكاء أن توهموا الناس بأن طعامكم "لا يقاوم" عبر وصم المندوب باللصوصية والضعف، فالرسالة التسويقية التي تفتقر للإنسانية هي رسالة فاشلة مهما حصدت من تفاعلات وهمية، والعلامة التجارية التي تبيع كرامة شركائها في مزاد الـ (Like) هي علامة مفلسة قيمياً، ولن تشفع لها لذة طعمها في مسح عار استصغار الكادحين، فليتوقف هذا العبث وليعلم أصحاب هذه المطاعم أن لقمة العيش التي يأتي بها العامل مغلفة بالتعب، لا تستحق أن تُقابل بدعاية مغلفة بالإهانة والاحتقار.







