شهدت ساحة مستشفى ناصر في خان يونس لحظات تقشعر لها الابدان حين احتضنت الام سندس الكرد طفلتها بيسان لاول مرة بعد عامين من الغياب القسري. كانت الام قد فقدت اثر رضيعتها منذ لحظة ولادتها في ظروف الحرب القاسية عام 2023 حيث فرقت بينهما نيران القصف واجراءات الاخلاء الطارئة. تحولت تلك اللحظة الى مشهد يختصر معاناة الاف العائلات الفلسطينية التي مزقتها الحرب وسط دموع وذهول الحاضرين الذين شهدوا عودة الامل بعد طول انتظار.

واكدت الام انها كانت تعيش طوال تلك الفترة بين الموت والحياة معلقة بأسئلة لا تجد لها جوابا حول مصير ابنتها. واضافت انها حاولت حفظ ملامح طفلتها التي لم ترها يوما بينما كانت الطفلة تلمس وجهها في مشهد انساني مؤثر يعكس حجم الفقد الذي خلفته النزاعات. وشددت على ان هذا اللقاء ليس مجرد عودة طفلة الى احضان والدتها بل هو بداية لترميم حياة دمرتها الحرب.

قصة ولادة تحت القصف

وبينت تفاصيل الحكاية ان الام سندس الكرد اصيبت بجروح بالغة في شهر حملها الثامن حين انهار منزل العائلة فوق رؤوس ساكنيه في بيت لاهيا. واوضحت ان الاطباء اجروا لها عملية قيصرية طارئة في مجمع الشفاء الطبي تحت القصف وانقطاع الامكانيات الطبية. وكشفت ان الرضيعة نقلت الى الحضانة بينما دخلت الام الى العناية المركزة لتنقطع اخبارهما عن بعضهما وسط فوضى الحصار والاخلاء القسري.

واضافت ان العائلة عاشت فصولا متلاحقة من الفقد والنزوح بينما ظل مصير الطفلة مجهولا تماما حتى مايو 2025. واكدت ان خيط الامل ظهر حين وردت معلومة من احد الممرضين عن وجود طفلة مجهولة الهوية في مصر تحمل سوار ولادة باسم الام. وتابعت ان الحقيقة تكشفت بوجود الطفلة بيسان التي تلقت الرعاية في القاهرة حتى تحسنت حالتها الصحية.

مشاعر مختلطة من الالم والامل

وقالت الام سندس ان هذا اليوم هو يوم ميلاد ابنتها الحقيقي الذي انتظرته لاكثر من عامين. واضافت انها كانت تعد سنوات الغياب في قلبها وتخشى ان تكون طفلتها قد رحلت دون وداع. وبينت ان اللقاء بين البكاء والفرح جعلها تشعر ان جزءا غاليا من روحها عاد اليها من جديد.

واكد الاب مصعب الكرد ان لحظات القصف كانت الاشد قسوة في حياته حين كان يحاول انقاذ زوجته من تحت الركام. واضاف انه عاش على امل ضعيف متمسكا باي معلومة تدله على مصير طفلته التي اختفت وسط الفوضى. وشدد على ان تواصله مع الجهات المعنية كان سببا رئيسيا في الوصول الى ابنته التي ظن انها غابت الى الابد.

انعكاسات نفسية واجتماعية

واعتبر درداح الشاعر استاذ الصحة النفسية ان قصة سندس تجسد حالة القلق والتوتر النفسي التي تعيشها الام الفلسطينية في ظل الحرب. واضاف ان معاناة الفقد والبعد خلفت جروحا غائرة تحتاج الى زمن طويل للالتئام. وبين ان عودة الطفلة كانت بمثابة البلسم الشافي الذي اعاد التوازن النفسي للام المكلومة.

واكد ان هذه الحالة ليست فردية بل هي ظاهرة اجتماعية واسعة تعكس حجم الماساة التي يعاني منها النازحون. واضاف ان الايمان والصبر كانا السلاح الوحيد الذي واجهت به العائلة فقدان طفلتهم. وشدد على ان قصة بيسان تبرز قدرة الانسان الفلسطيني على الصمود في وجه اقسى الظروف.

جرائم الحرب والانتهاكات الدولية

واكد صلاح عبد العاطي رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني ان ما تعرض له الاطفال الخدج في المستشفيات يمثل انتهاكا صارخا للقانون الدولي. واضاف ان قطع الكهرباء واجلاء الاطفال قسرا ادى الى وفاة عدد منهم وهو ما يرقى الى جرائم حرب موصوفة. وبين ان المجتمع الدولي مطالب بمساءلة المتسببين في هذه الانتهاكات وحماية الاطفال في مناطق النزاع.

واوضح ان انقاذ الاطفال الخدج واعادة بعضهم الى غزة يعد رسالة قوية تؤكد اهمية التكاتف الانساني. واضاف ان هذه الجهود تبرز قيمة الحفاظ على حياة الابرياء رغم قسوة الواقع. وشدد على ضرورة وضع آليات دولية ملزمة تمنع استهداف المنشآت الطبية والمرضى في الحروب.

مصير الاطفال الخدج

وافاد الطبيب احمد الفرا مدير مبنى الاطفال بمستشفى ناصر بان 33 طفلا خديجا كانوا في المستشفى توفي منهم 5 نتيجة انقطاع التيار الكهربائي. واضاف ان 28 طفلا تم اجلاؤهم الى مصر في نوفمبر 2023. وبين ان 7 اطفال توفوا لاحقا نتيجة ظروف النقل والمضاعفات الصحية.

واوضح ان 11 طفلا عادوا الى عائلاتهم في غزة مؤخرا بينما يتبقى 6 اطفال خارج القطاع برفقة ذويهم. واكد ان وزارة الصحة تتابع بشكل مستمر الحالة الصحية لهؤلاء الاطفال لتقديم الدعم اللازم لهم. واضاف ان التحديات التي تواجه الرعاية الصحية في غزة لا تزال كبيرة وتتطلب تضافر الجهود الدولية.