يخوض مزارعون فلسطينيون في قطاع غزة معركة وجودية يومية لا تقل ضراوة عن الحرب ذاتها، حيث يصرون على زراعة وحصاد أراضيهم رغم الدمار الشامل ونقص الموارد الحاد الذي يفرضه الاحتلال. وفي مشهد يعكس قوة الارادة، يستخدم هؤلاء المزارعون ادوات يدوية بسيطة لجني محاصيل القمح، متحدين بذلك آلة القصف المستمرة والحصار الذي يضيق الخناق على لقمة عيشهم.

واظهرت المتابعات الميدانية ان المزارعين في المناطق الشرقية لدير البلح يضطرون للعمل في حقول قريبة من نقاط التماس العسكرية، مما يعرض حياتهم لمخاطر مباشرة ومستمرة. وبين المزارعون انهم يعتمدون على الطرق التقليدية القديمة في الحصاد والدرس لتعويض غياب الآليات الزراعية التي دمرتها الحرب، مؤكدين ان هذا الموسم يمثل لهم صمودا اخلاقيا قبل ان يكون مصدرا للغذاء.

واكد المزارع محمد جمال ان رحلة زراعة القمح استغرقت ستة اشهر من العمل الشاق تحت ظروف قاسية، حيث ندرت البذور والمياه والمبيدات بشكل كبير. واضاف ان الاصرار على اتمام الموسم ينبع من الحاجة الماسة لتوفير الطحين والتبن في ظل انهيار الامن الغذائي بالقطاع، مشددا على ان التمسك بالارض هو رسالة بقاء في وجه محاولات التهجير والتجريف.

تحديات الحصاد في مناطق الخطر

وبين المزارع عادل ابو ظاهر ان الحصاد بدأ هذا العام في وقت مبكر عن المعتاد نتيجة الخوف من اوامر الاخلاء المفاجئة التي قد تصدر في اي لحظة. واوضح ان المناطق المتاخمة لما يعرف بالخط الاصفر باتت خارج نطاق العمل الزراعي الامن، مما قلص الرقعة الخضراء المتبقية واجبر المزارعين على المخاطرة في الاراضي القريبة من التمركزات العسكرية.

وكشفت التقديرات الرسمية عن حجم كارثي لما حل بالقطاع الزراعي، حيث دمر الاحتلال اكثر من 94 بالمئة من الاراضي الزراعية في غزة. واضافت التقارير ان الانتاج تراجع بشكل حاد من مئات الاف الاطنان الى ارقام ضئيلة جدا، مما يعمق الازمة الانسانية ويجعل من توفير الغذاء الاساسي مهمة شبه مستحيلة امام العائلات النازحة.

واكدت البيانات الصادرة عن جهات حكومية ان الخسائر المادية في القطاع الزراعي تجاوزت مليارات الدولارات، مع تدمير ممنهج لاكثر من الف بئرا للمياه وتجريف الغالبية العظمى من الدفيئات. واشار مراقبون الى ان استهداف البنية التحتية الزراعية يعد جزءا من استراتيجية تجويع شاملة، الا ان المزارع الفلسطيني لا يزال يحاول بجهده العضلي البسيط كسر هذا الحصار واستعادة جزء من حق ارضه في العطاء.