تخطو المملكة العربية السعودية خطوات واسعة نحو تحويل قطاع المياه من مجرد مستهلك للتقنيات إلى مركز إقليمي وعالمي لتصنيع وتصدير الحلول المائية المتقدمة. وتستهدف هذه الاستراتيجية توطين 18 سلعة حيوية تدخل في صلب منظومة المياه، مما يساهم بشكل مباشر في دعم الاقتصاد الوطني وتقليل الاعتماد على سلاسل التوريد الخارجية في ظل المتغيرات الجيوسياسية العالمية.

واكد رئيس الهيئة السعودية للمياه المهندس عبد الله العبد الكريم، أن اختيار هذه السلع جاء بناء على دراسات دقيقة لضمان استقرار الإمدادات وموثوقية الخدمة، مبينا أن المملكة تمتلك اليوم خبرات تشغيلية ومعرفية تراكمية تجعلها في مصاف الدول الأكثر تقدما في إدارة وتشغيل أكثر منظومات المياه تعقيدا على مستوى العالم.

واضاف العبد الكريم خلال فعاليات حفل توطين صناعة الماء، أن الهدف لا يقتصر على تأمين الاحتياجات المحلية فحسب، بل يمتد ليشمل بناء قاعدة صناعية ابتكارية قادرة على المنافسة دوليا، موضحا أن حجم السوق المتوقع لهذه السلع الـ 18 يصل إلى 15 مليار ريال داخل المملكة، مع فرص واعدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تقدر بنحو 65 مليار ريال.

استراتيجية التوطين ومستقبل الصناعة المحلية

وبين المسؤول السعودي أن التحول نحو التصنيع المحلي يعتمد على استغلال القوة الشرائية الهائلة لقطاع المياه في المملكة، مشيرا إلى أن هذه الخطوة ستعمل على تحويل الطلب إلى محرك أساسي للاستثمار الصناعي، مما يشجع الشركات العالمية على نقل تقنياتها ومعرفتها إلى داخل الأراضي السعودية.

وشدد على أن الهيئة نجحت في تفعيل شراكات استراتيجية أثمرت عن توقيع اتفاقيات لإنشاء 7 مصانع جديدة، موضحا أن هذه المشروعات تعكس ثقة المستثمرين الدوليين في البيئة الصناعية السعودية، خاصة مع توفر مدخلات إنتاج محلية تتجاوز نسبتها 70 في المائة في العديد من المكونات.

واكد أن هذه المساعي تهدف إلى تحقيق موثوقية إمداد تصل إلى 90 في المائة من خلال المكونات المصنعة محليا، مبينا أن قطاع المياه أصبح اليوم يوفر فرصا استثمارية نوعية تساهم في رفع مساهمة القطاع في الميزان التجاري للمملكة وتعزز من المحتوى المحلي بشكل غير مسبوق.

شراكات دولية وتنمية الكفاءات الوطنية

وكشفت الهيئة عن انتقال 6 فرص استثمارية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، موضحة أن هذه المشروعات تضم مصانع عالمية لإنتاج أغشية التناضح العكسي ومضخات الضغط العالي وأنظمة التحكم الرقمي، مما يوسع نطاق الأثر الاقتصادي ليشمل قطاعات الطاقة والتعدين والزراعة.

واضاف العبد الكريم أن توطين هذه الصناعات يركز بشكل جوهري على العنصر البشري، مبينا أن الاتفاقيات المبرمة تشترط نسبة توطين في الوظائف النوعية لا تقل عن 70 في المائة، وهو ما يضمن بناء جيل من الكفاءات الهندسية والفنية القادرة على قيادة هذه الصناعات المتطورة.

واوضح أن المملكة أصبحت شريكا أساسيا في تطوير الجيل القادم من تقنيات المياه، مشيرا إلى أن بعض المصانع الجديدة ستغطي احتياجات عملاء دوليين، مما يرسخ مكانة السعودية كمنصة تصديرية عالمية موثوقة في تقنيات المياه وحلول الاستدامة.