امل خضر تكتب من امتحان المصير إلى صناعة المستقبل الأردن يعيد كتابة الثانوية ليس كل تغيير إصلاحًا لكن الإصلاح الحقيقي يبدأ حين نمتلك شجاعة مراجعة ما اعتدناه ونسأل بصدق هل ما يصلح للماضي قادر على صناعة المستقبل؟
من هنا ينبغي قراءة حديث وزير التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية الدكتور عزمي محافظة عن انتهاء التوجيهي بصورته السابقة وتحول الامتحان العام إلى امتحان للقبول الجامعي فالمسألة، في جوهرها ليست تغيير امتحان بل إعادة تعريف لوظيفة المرحلة الثانوية نفسها.
لسنوات ظل التوجيهي حاضرًا باعتباره محطة تختزل سنوات الدراسة في نتيجة واحدة. ومع الوقت أصبح المعدل في الوعي العام أقرب إلى تعريف الطالب فيما تراجعت أسئلة أكثر أهمية ماذا تعلم؟ ما قدراته؟ وما المجال الذي يستطيع أن يبدع فيه؟
الرؤية الجديدة تقترح معادلة مختلفة.
شهادة الثانوية تُبنى على النجاح المدرسي حتى الصف الثاني عشر بينما يتولى الامتحان العام مهمة القبول الجامعي وبذلك تستعيد المدرسة جزءًا من دورهاويعود الامتحان إلى وظيفة أكثر تحديدًا بدل أن يحمل وحده عبء سنوات التعليم كلها.
لكن الأهم هو ما يحدث داخل المسار نفسه.
فالانتقال من التقسيم التقليدي الجامد إلى اختيار مواد ترتبط بميول الطالب وتخصصه الجامعي يعني الاعتراف بحقيقة بسيطة كثيرًا ما تجاهلها التعليم التقليدي الطلبة ليسوا نسخًا متشابهة وبالتالي لا ينبغي أن يكون مستقبلهم نسخة واحدة.
وهنا تكمن قوة التوجه الإصلاحي
عندما يعرف الطالب أن المادة التي يدرسها اليوم لها صلة بما يريد أن يدرسه غدًا يصبح التعلم أكثر معنى ويصبح الاختيار جزءًا من بناء الشخصية لا مجرد قرار دراسي. وعندما يدخل سوق العمل في حسابات تطوير الثانوية فإن التعليم يقترب خطوة من وظيفته الكبرى إعداد الإنسان للحياة لا للامتحان فقط.
لكن نجاح هذا التحول لن تحدده النصوص وحدها.
سيحدده المعلم والمدرسة والإرشاد الأكاديمي، ووضوح المسارات وعدالة الفرص وقدرة الوزارة على الاستماع والتقييم والتصحيح المستمر ولذلك فإن دعم توجه الوزارة لا يعني إعفاء التجربة من النقد بل يعني منحها فرصة حقيقية للنجاح ومتابعة تنفيذها بعين مسؤولة.
فالسياسة التعليمية الناجحة ليست التي لا تخطئ وإنما التي تتعلم بسرعة من نتائجها.
ومن هذه الزاوية فإن خطوة الوزارة تستحق التقدير لأنها تتعامل مع سؤال أصبح تأجيله أكثر كلفةهل نريد أن يبقى التعليم أسير نموذج اعتدنا عليه أم نعيد بناءه بما يتناسب مع جامعة متغيرة وسوق عمل متحرك، وجيل يمتلك خيارات مختلفة؟
الأردن لا يحتاج إلى طالب يجيد اجتياز الامتحان فحسب يحتاج إلى طالب يعرف قدراته ويفهم خياراته ويمتلك المعرفة والمهارة التي تمكنه من المنافسة.
ولهذا فإن القيمة الحقيقية في إنهاء التوجيهي بصورته السابقة ليست في إنهاء امتحان بل في إنهاء فكرة أن امتحانًا واحدًا يجب أن يختصر مستقبل إنسان.
وإذا نجحت الوزارة في تحويل هذه الفلسفة إلى ممارسة عادلة وواضحة وفعالة فإننا لن نكون أمام تغيير في الثانوية العامة فحسب بل أمام تحول في مفهوم النجاح نفسه.
فالنجاح الحقيقي ليس أن يعرف الطالب كيف يعبر الامتحان بل أن يعرف كيف يعبر إلى المستقبل.
وهنا تبدأ المعركة الحقيقيةأن يصبح التعليم الأردني قادرًا على صناعة المستقبل، لا مجرد اختبار من يستحق الوصول إليه.
