تشهد اسواق الطاقة في القارة الاوروبية حالة من التوتر الشديد مع تضاعف اسعار الغاز الطبيعي بشكل مفاجئ، وذلك على خلفية التوترات الجيوسياسية الاخيرة التي ادت الى اغلاق مضيق هرمز الحيوي امام حركة ناقلات الطاقة. وتواجه القارة العجوز تحديا مزدوجا يتمثل في تأمين احتياجاتها من الوقود قبل حلول فصل الشتاء في ظل نقص واضح في مستويات المخزون الاستراتيجي.
واظهرت البيانات الحالية ان معدلات تخزين الغاز في اوروبا لا تزال دون المستويات المأمولة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مما يضع ضغوطا كبيرة على كاهل اكبر الاقتصادات الاوروبية وتحديدا المانيا. واكد خبراء الطاقة ان الوقت المتاح لتعويض هذا النقص يتقلص بسرعة مع اقتراب المواعيد النهائية التي حددتها المفوضية الاوروبية لضمان استقرار الامدادات.
وبينت التقارير ان التنافس المحموم بين الدول الاوروبية ودول اسيا على شحنات الغاز الطبيعي المسال يساهم بشكل مباشر في دفع الاسعار نحو مستويات قياسية جديدة، حيث تتجاوز تكلفة الميغاواط الواحد حاليا مستويات الـ 75 يورو نتيجة حالة عدم اليقين التي تسيطر على سلاسل التوريد العالمية.
تحديات التخزين والمنافسة العالمية على الغاز
واضاف محللون ان استمرار الاضطرابات في الممرات المائية الرئيسية قد يدفع اسعار الطاقة في اوروبا الى مستويات تتراوح بين 100 و 150 يورو للميغاواط خلال الاشهر القادمة. واوضح مراقبون ان العوامل المناخية ايضا تلعب دورا حاسما، حيث ادت ظاهرة النينيو الى ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الطلب على الكهرباء لاغراض التبريد في القوى الاقتصادية الكبرى مثل الصين واليابان.
وكشفت التقديرات ان السوق العالمي يعاني اليوم من ازمة في وفرة المعروض بدلا من ازمة المورد الواحد التي شهدتها القارة في مراحل سابقة. وشدد خبراء على ان اوروبا اصبحت اكثر انكشافا على تقلبات السوق الدولية، مما يجعلها في سباق دائم ومكلف لتأمين احتياجاتها اليومية من الغاز المسال.
واشار المختصون الى ان السيناريوهات الحالية لا تشير الى عودة الاسعار الى ذروتها التاريخية التي تجاوزت 300 يورو للميغاواط، وذلك بفضل تنوع مصادر التوريد التي تم بناؤها مؤخرا. وبينت المؤشرات ان الاعتماد المتزايد على الطاقة المتجددة في توليد الكهرباء اصبح يمثل حائط صد يحمي المستهلكين من الارتفاعات الجنونية في فواتير الطاقة.
الطاقة المتجددة كصمام امان لاوروبا
واكدت بيانات المفوضية الاوروبية ان نسبة مساهمة مصادر الطاقة النظيفة في انتاج الكهرباء قد ارتفعت بشكل ملحوظ، مما يقلل من الارتباط المباشر بأسعار الغاز العالمية. واضاف خبراء ان هذا التحول الهيكلي يمنح اوروبا مرونة اكبر في مواجهة الصدمات السعرية مقارنة بالازمات التي مرت بها في الماضي.
وختم محللون بالتأكيد على ان استقرار اسواق الطاقة في القارة يعتمد بشكل كبير على مدى سرعة احتواء التوترات الجيوسياسية وضمان تدفق ناقلات الغاز عبر الممرات الدولية. واوضحوا ان الاشهر القادمة ستكون اختبارا حقيقيا لقدرة الاتحاد الاوروبي على موازنة احتياجاته الصناعية والمنزلية مع محدودية الامدادات العالمية المتاحة.
