كشفت وزارة المال اللبنانية عن ملامح مشروع موازنة العام المقبل في خطوة تعكس التزاما دستوريا بمواعيد تقديم القوانين، حيث يظهر المشروع توازنا نظريا بين الايرادات والنفقات عند سقف يصل الى نحو 6.9 مليار دولار. وبينت الارقام ان الحكومة تسعى لتحقيق فائض اولي يتجاوز 500 مليون دولار عبر تكثيف عمليات الجباية الضريبية والتشدد في تحصيل موارد الخزينة، الا ان هذا التوازن الرقمي لا يزال يفتقر الى ركائز الاصلاحات الهيكلية التي يحتاجها الاقتصاد المنهك في ظل غياب رؤية واضحة للتعامل مع ملف الودائع والديون السيادية.

واوضحت البيانات المالية ان مخصصات القطاع العام تستحوذ على حصة الاسد من النفقات بنسبة تتجاوز 53 في المائة، موزعة بين تقديمات اجتماعية ورواتب وملحقاتها، بينما تم تخصيص جزء محدود للاستثمارات لا يتعدى 11 في المائة. واضافت المصادر ان المشروع استمر في عزل بند خدمة الدين العام عن الموازنة، في انتظار ما ستؤول اليه المفاوضات مع حاملي السندات الدولية ومعايير اعادة هيكلة القطاع المصرفي التي تظل رهينة تفاهمات معقدة مع المؤسسات النقدية الدولية.

وذكرت التقارير ان مسار اقرار هذا القانون في البرلمان لن يكون مفروشا بالورود، اذ تواجه المواد الاساسية اعتراضات نيابية وتقنية واسعة. واكد خبراء ماليون ان طول فترة النقاش داخل اللجان النيابية قد يستغرق اشهرا طويلة، خاصة في ظل وجود تحفظات جوهرية من مصرف لبنان وصندوق النقد الدولي حول اليات توزيع الخسائر وتحديد مصير التوظيفات المصرفية لدى البنك المركزي.

تحديات الايرادات والضغوط المعيشية

واظهرت تفاصيل الايرادات في مشروع الموازنة اعتمادا شبه كلي على الضرائب التي تمثل نحو 86 في المائة من اجمالي الواردات، مما يثير مخاوف حقيقية بشأن تفاقم الاعباء المعيشية على المواطنين. وبينت الدراسات الميدانية ان متوسط الانفاق الاسري بات يتجاوز بكثير متوسط الدخل المتاح، مما يجعل من الضريبة على السلع والخدمات عبئا اضافيا في ظل تضخم مستمر وارتفاع حاد في فواتير الخدمات الاساسية كالمحروقات والكهرباء.

واضاف المسؤولون ان الحكومة لجأت الى ادراج بنود جديدة تتيح للمقيمين تسوية اوضاعهم الضريبية عن مداخيلهم الخارجية خلال مهلة زمنية محددة دون غرامات، وذلك في محاولة لتعزيز السيولة في الخزينة العامة. وشدد الخبراء على ان هذه الاجراءات تظل تقنية بحتة ولا ترقى لمستوى الحلول الاستراتيجية المطلوبة لاصلاح المالية العامة، مؤكدين ان استدامة المالية تتطلب انضباطا صارما وربطا ذكيا للموارد بالاولويات الوطنية بعيدا عن الحلول الوقتية.

وختم المراقبون بالاشارة الى ان تحدي الكهرباء لا يزال يلقي بظلاله على الموازنة، حيث استمر قرار عدم لحظ تمويل لمؤسسة الكهرباء، مما يضطر القطاع الخاص والمستهلكين لتحمل تكاليف باهظة لتأمين الطاقة عبر المولدات الخاصة. واكدت القراءات التحليلية ان الموازنة الحالية تعكس حالة من المراوحة في المكان، حيث تنجح في تجنب العجز الاسمي لكنها تفشل في معالجة مسببات الانهيار المالي او تقديم خارطة طريق واضحة للتعافي الاقتصادي الشامل.