دخلت العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة وكندا مرحلة جديدة من التوتر الحاد بعد خطوات تصعيدية اقدم عليها الرئيس دونالد ترمب ضد الجارة الشمالية. وشملت هذه الاجراءات فرض حظر مباشر على استيراد مجموعة متنوعة من المنتجات الكندية الحيوية مثل الالبان والدراجات النارية والمشروبات الكحولية. وتاتي هذه التحركات في توقيت حساس تزامنا مع دخول رسوم جمركية كندية انتقامية حيز التنفيذ ردا على السياسات الامريكية التي طالت سلعا بقيمة تصل الى 20 مليار دولار.
واضافت الادارة الامريكية بعدا اخر للازمة عبر استبعاد الشركات والمنتجات الكندية من المنافسة على العقود الحكومية الضخمة وطويلة الاجل. واوضح مراقبون ان هذا التحرك يعكس رغبة واشنطن في ممارسة ضغوط قصوى على اوتاوا وتوسيع رقعة المواجهة لتشمل قطاعات لم تكن مدرجة في الخلافات التجارية التقليدية. واشار مسؤولون الى ان هذه القيود ستدخل حيز التنفيذ الرسمي في نهاية سبتمبر الحالي مما يفاقم من حدة التدهور في العلاقات بين الحليفين التقليديين.
وتابع ترمب هجومه بتوجيه انتقادات لاذعة لاتفاقيات التجارة السابقة واصفا اياها بالكارثية ومتهما كندا باستغلال الاسواق الامريكية لسنوات طويلة. وبينت التقارير ان هذه التصريحات تاتي في اطار استراتيجية الضغط التي يتبعها البيت الابيض لاجبار اوتاوا على تقديم تنازلات جوهرية في ملفات النفاذ الى الاسواق والمعاملة بالمثل.
رد كندي حازم واجراءات انتقامية
وبدات كندا في تنفيذ خطة رد مدروسة تعتمد على مبدا التعامل بالمثل في كل السلع والرسوم. واكدت السلطات الكندية ان الرسوم الجمركية التي فرضتها تشمل مئات المنتجات الامريكية وتتراوح نسبها بين 15 و50 في المائة لتغطية قطاعات واسعة تشمل الصلب والالمنيوم والجبن والمعدات الزراعية. واظهرت البيانات ان هذه الرسوم تستهدف ما يقارب 6 في المائة من اجمالي الصادرات الامريكية الى كندا.
واضافت المقاطعات الكندية ثقلا اضافيا للمواجهة عبر فرض قيود مشددة على بيع المشروبات الكحولية الامريكية في اسواقها. وكشفت احصائيات مجلس المشروبات الروحية ان الصادرات الامريكية من هذه المنتجات شهدت تراجعا حادا تجاوز 70 في المائة خلال العام الحالي. وبينت هذه الارقام مدى عمق الازمة التي لم تعد تقتصر على الرسوم الجمركية فحسب بل امتدت لتشمل نفاذ المنتجات الى الاسواق الاقليمية.
وشدد رئيس الوزراء الكندي على ان بلاده لن تقف مكتوفة الايدي امام ما وصفه بمحاولات الابتزاز الاقتصادي. واوضح ان اوتاوا بدات بالفعل في اعادة توجيه استراتيجيتها لتقليص الاعتماد على السوق الامريكية والبحث عن بدائل دولية جديدة. واكد ان كندا ترفض اسلوب التهديد وتطالب واشنطن بتبني لغة الحوار الجاد بعيدا عن السخرية والمواقف الاستعراضية.
مستقبل قطاع السيارات تحت التهديد
وكشف ترمب عن نواياه المستقبلية بالتلويح بفرض رسوم باهظة قد تصل الى 50 في المائة على السيارات وقطع غيارها العام المقبل. واوضح خبراء الاقتصاد ان هذا التهديد يمثل خطرا وجوديا على سلاسل الامداد المتكاملة بين البلدين. واشاروا الى ان قطاع السيارات يعتمد بشكل كلي على عبور المكونات للحدود مرات متعددة خلال مراحل التصنيع مما يجعل اي رسوم جديدة ضربة قوية للصناعة في كلا الجانبين.
وتابع المحللون ان كندا تراهن على مرونة اقتصادها الذي سجل نموا ملحوظا فاق نظيره الامريكي في الربع الثاني. واكدت وزيرة الصناعة الكندية ميلاني جولي ان بلادها قادرة على الصمود في هذه الحرب التجارية واثبات قدرتها على المنافسة عالميا. وبينت ان الحكومة تسعى لتنويع شراكاتها الاقتصادية مع الاتحاد الاوروبي لتعزيز مكانتها بعيدا عن الهيمنة الامريكية.
واظهرت التقديرات ان واشنطن قد تواجه تحديات خاصة بها في حال استمرار التصعيد نظرا لاعتماد مصافيها على النفط الكندي وحاجة مزارعيها لسماد البوتاس. واكدت اوساط سياسية ان نجاح كندا في هذه المواجهة قد يصبح نموذجا تقتدي به دول اخرى ترغب في التصدي للسياسات التجارية الامريكية المتشددة.
