يواجه العراق تحديات اقتصادية بالغة الصعوبة في ظل ظروف إقليمية معقدة أدت إلى اضطراب تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز بشكل مباشر. وأظهرت تقارير حديثة صادرة عن صندوق النقد الدولي أن البلاد تمر بمرحلة انكماش حاد خلال العام الحالي، مما يضع صناع القرار أمام ضغوط اقتصادية ومالية غير مسبوقة. وكشف التقرير أن العودة إلى مسار النمو مرهونة بشكل أساسي باستقرار إنتاج النفط والغاز وتنشيط حركة الصادرات الوطنية.
وبينت التحليلات أن العراق يعد من أكثر الدول تضررا نتيجة اعتماده الكلي على هذا الممر المائي الاستراتيجي في عمليات التصدير مع غياب بدائل سريعة وفعالة. وأدى توقف أجزاء كبيرة من الأنشطة الهيدروكربونية إلى تداعيات سلبية امتدت لتشمل قطاعات اقتصادية حيوية أخرى، مما دفع الحكومة للبحث عن خيارات تمويلية جديدة لتعزيز استقرار السياسات الاقتصادية في هذه المرحلة الحرجة.
وأكدت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا أن العراق طلب بشكل رسمي الحصول على برنامج تمويلي جديد، مبدية استعداد المؤسسة الدولية لتقديم الدعم اللازم عبر السياسات المالية والتقنية. وأوضح الخبراء أن هذا التحرك يعكس رغبة بغداد في مواجهة الصدمات الخارجية والحد من الآثار المترتبة على تراجع الإيرادات النفطية والضغوط على الموازنة العامة.
سيناريو الانكماش الحاد والنمو المتوقع
وتشير التوقعات الاقتصادية إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة تصل إلى 16 في المائة خلال العام الحالي، وهو تراجع كبير يعكس حجم الضرر الذي لحق بقطاع الطاقة. وأضاف المحللون أن هذا الرقم يمثل خفضا حادا مقارنة بالتقديرات السابقة، مما يبرز مدى حساسية الاقتصاد العراقي لأي تطورات أمنية أو لوجستية تعيق سلاسل الإمداد الدولية.
وذكر التقرير أن السيناريو الأساسي للعام القادم يفترض تحسنا ملحوظا يعتمد على توقف الأعمال العدائية واستعادة تدفقات الطاقة بشكل كامل عبر المضيق. وأشار إلى أن هناك توقعات بنمو الاقتصاد بنسبة 19 في المائة في المرحلة القادمة، قبل أن يستقر معدل النمو عند مستويات معتدلة تصل إلى 3.5 في المائة بحلول نهاية العقد الحالي.
وأوضح التقرير أن هذا التعافي المتوقع يبقى مرهونا باستعادة النشاط النفطي بالكامل، مما يجعل التقديرات عرضة للتغيير في حال استمرار الاضطرابات أو تأخر إصلاح المنشآت المتضررة. وشدد الخبراء على ضرورة تنويع مصادر الدخل لتقليل الاعتماد الكلي على الممرات البحرية التي تعاني من تقلبات جيوسياسية متزايدة.
ارتفاع تكاليف التجارة وتحديات التضخم
وبينت البيانات أن العراق يتحمل أعباء مالية إضافية تتمثل في زيادة تكاليف الشحن البحري بنسبة تتجاوز 13 في المائة نتيجة اضطرابات الملاحة. وأضافت التقارير أن هذه الزيادة تفرض ضغوطا تضخمية على أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية المستوردة، مما يضعف القوة الشرائية ويزيد من تكاليف التشغيل للشركات المحلية.
وكشفت الدراسات أن السلطات النقدية العراقية كانت سباقة في رفع أسعار الفائدة لمواجهة موجة التضخم الناشئة، في محاولة للحفاظ على استقرار سعر صرف العملة المحلية مقابل الدولار. وأكد الخبراء أن هذا التوجه يهدف إلى امتصاص الصدمات السعرية دون إلحاق ضرر إضافي بالنشاط الاقتصادي المنهك أصلا من تراجع الإنتاج النفطي.
وذكر التقرير أن محدودية الحيز المالي تجعل الحكومة أمام خيارات صعبة ومقيدة في الإنفاق العام لدعم القطاعات المتضررة. وأوضح أن الانضباط المالي يعد أولوية قصوى في هذه المرحلة لضمان استمرار الخدمات الأساسية في ظل شح الموارد وتزايد احتياجات الاقتراض العام.
