دخلت اسرائيل في دوامة من التكهنات السياسية المعقدة فور اغلاق صناديق الاقتراع في انتخابات الكنيست، حيث لم تسفر النتائج عن فائز واضح قادر على حسم تشكيل ائتلاف حكومي مستقر. وبينما يراقب الجيران والاقليم هذا المشهد الداخلي، يجد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومنافسه غادي آيزنكوت نفسيهما امام تحدي البحث عن شركاء لتأمين الاغلبية المطلوبة للحكم. وتكشف المعطيات الحالية ان كلاً من الطرفين يفتقر الى العدد الكافي من المقاعد، مما يفتح الباب امام سيناريوهات ائتلافية صعبة ومعقدة قد تنتهي بالعودة مجدداً الى صناديق الاقتراع.
واظهرت نتائج الفرز النهائي حصول معسكر نتنياهو على 53 مقعداً، وهو رقم يبتعد عن حاجز الـ 61 مقعداً اللازمة لتشكيل الحكومة. واكد مراقبون ان نتنياهو يواجه صعوبة بالغة في اقناع المعارضين بالانضمام اليه، خاصة في ظل وعودهم الانتخابية التي قامت اساساً على ضرورة اقصائه عن المشهد السياسي. واضاف الرئيس الاسرائيلي اسحق هرتسوغ انه يرفض فكرة الذهاب الى انتخابات جديدة، داعياً القوى السياسية الى تقديم تنازلات تضمن استقرار الدولة وتجنب المزيد من الانقسام.
وبينت التحليلات ان فرص نتنياهو في ضم احزاب الوسط او اليمين المنافس تبدو ضئيلة، حيث اعلن افيغدور ليبرمان رفضه القاطع لاي حكومة يقودها نتنياهو شخصياً. واوضح نفتالي بينيت ان موقفه لا يزال غامضاً رغم تراجعه عن تصريحات سابقة، مما يترك نتنياهو امام خيارات محدودة قد تضطره للمناورة مع القوائم العربية رغم عدائه المعلن لها خلال الحملة الانتخابية.
سيناريوهات تشكيل حكومة بقيادة آيزنكوت
وكشف آيزنكوت في تصريحاته ان الشعب الاسرائيلي صوت لصالح التغيير، معلناً استبعاد اي اتفاق لتقاسم السلطة مع نتنياهو. واشار الى ان خياراته تنحصر في تشكيل حكومة اقلية بدعم خارجي او محاولة استمالة منشقين من المعسكر المقابل، وهو امر يبدو صعب التحقيق في ظل تماسك كتلة الليكود. واضاف ان مواجهة التحديات العسكرية المستقبلية في غزة ستكون الاختبار الحقيقي لاي ائتلاف قد ينجح في تشكيله.
واوضح يوسف جبارين، رئيس القائمة العربية المشتركة، ان حزبه قد يدعم آيزنكوت من خارج الائتلاف دون الانخراط في حكومته بشكل رسمي. وشدد على وجود تحفظات كبيرة تتعلق بالنهج العسكري المتبع في غزة، مما يجعل اي دعم عربي مرهوناً بمدى استجابة آيزنكوت للمطالب السياسية. واكد محللون ان الاعتماد على دعم الاحزاب العربية قد يجعل حكومة آيزنكوت هشة ومعرضة للانهيار عند اول منعطف سياسي او امني.
وذكرت التقارير ان آيزنكوت يراهن على احداث خرق في صفوف الاحزاب المتشددة التي تتحالف مع نتنياهو، رغم التباين العميق حول ملف الخدمة العسكرية لليهود الحريديم. واضاف ان التنازلات في هذا الملف قد تفتح نافذة ضيقة للتعاون، الا ان التزام آيزنكوت بإنهاء حكم حماس خلال فترة زمنية محددة يظل نقطة خلاف جوهرية قد تعيق اي تفاهمات مستقبلية مع الشركاء المحتملين.
ثقل سياسي عربي يقلب موازين القوى
وكشفت الانتخابات عن حضور عربي لافت بحصول القوائم العربية على 19 مقعداً، مما يعكس غضباً شعبياً متزايداً من سياسات الحكومة السابقة. واظهرت النتائج ان المجتمع العربي بات يمتلك ورقة ضغط سياسية قوية في الكنيست، قادرة على ارباك حسابات المعسكرات المتنافسة. واضافت النتائج ان التحول من الانجاز الانتخابي الى التأثير الفعلي في صناعة القرار يظل التحدي الاكبر امام الاحزاب العربية في المرحلة المقبلة.
واكد خبراء ان نسبة التصويت العالية التي قاربت 80 في المائة بين الناخبين العرب تعد رسالة صريحة ضد النهج العنصري الذي تبنته الحكومة. وبينت ان هذه الكتلة البرلمانية ستكون بيضة القبان في اي محاولة لتشكيل ائتلاف حاكم، سواء كان بقيادة نتنياهو او آيزنكوت. واضاف ان استغلال هذا الثقل يتطلب حكمة سياسية لتجاوز التعقيدات التي تفرضها طبيعة النظام السياسي الاسرائيلي والاصطفافات الحزبية الحادة.
واشار مراقبون الى ان المشهد السياسي الاسرائيلي يعيش حالة من السيولة، حيث لا يمكن استبعاد اي سيناريو طالما ان البحث عن السلطة يطغى على البرامج السياسية. وخلصت التقديرات الى ان الايام القادمة ستشهد مفاوضات سرية مكثفة ستحدد ما اذا كانت اسرائيل ستشهد حكومة ائتلافية جديدة ام ستتجه مجدداً نحو صناديق الاقتراع في ازمة سياسية متجددة.
