تشهد الخارطة المالية العالمية تحولا لافتا في سياسات البنوك المركزية التي بدأت تضع الذهب في صدارة أولوياتها لتعزيز احتياطياتها النقدية، بينما تتزايد المؤشرات على تراجع تدريجي في هيمنة الدولار الأمريكي خلال المرحلة المقبلة، حيث كشف مسح حديث صادر عن مجلس الذهب العالمي أن الغالبية العظمى من المؤسسات النقدية الدولية تخطط لزيادة حيازاتها من المعدن الأصفر، في خطوة تعكس رغبة واضحة في التحوط من التقلبات الاقتصادية العالمية.
واظهر المسح ان نحو 89% من البنوك المركزية المشاركة تتوقع نموا ملحوظا في احتياطيات الذهب الرسمية على مستوى العالم خلال العام الحالي، بينما ابدت نسبة قياسية تصل الى 45% من تلك البنوك نيتها المباشرة لزيادة ما تملكه من سبائك الذهب، وفي المقابل يرى 74% من الخبراء وصناع القرار ان حصة الدولار في الاحتياطيات الدولية ستواصل انكماشها خلال السنوات الخمس القادمة في ظل البحث عن بدائل اكثر استقرارا.
واوضح المحللون ان هذا التوجه يأتي بالتزامن مع حالة عدم اليقين التي تحيط بقرارات الفائدة الصادرة عن الاحتياطي الفيدرالي الامريكي والبنك المركزي الاوروبي، اضافة الى سعي الاقتصادات الناشئة تحديدا لتقليل الاعتماد المفرط على العملة الامريكية ضمن استراتيجية اوسع لتنويع الاصول السيادية وتجنب المخاطر الجيوسياسية التي قد تؤثر على استقرار الاحتياطيات الوطنية.
الذهب كحصن ضد الاضطرابات الاقتصادية
وبينت النتائج ان الدافع الرئيسي وراء هذا التكالب على الذهب ليس مجرد المضاربة السعرية، بل كونه اداة استراتيجية للحماية من التضخم المرتفع والاضطرابات في الاسواق المالية العالمية، واشار 31 بنكا مركزيا من اصل 34 يخططون للشراء الى ان تنويع المحفظة هو المحرك الاول، بينما اكد 23 بنكا ان الذهب يمثل الملاذ الاكثر امانا في ظل العجز المالي الامريكي وتباطؤ نمو الاقتصادات الكبرى.
واضاف الخبراء ان الذهب يتميز بخصائص فريدة تجعله يتفوق على العملات الورقية في فترات الازمات، فهو اصل لا يحمل مخاطر ائتمانية ويحافظ على قيمته الشرائية على المدى الطويل، وهو ما يفسر سبب اعتبار 90% من البنوك المركزية ان اداء المعدن النفيس خلال الازمات عامل حاسم في استراتيجياتهم الاستثمارية، مما يعزز مكانته كركيزة اساسية في ادارة المخاطر السيادية طويلة الامد.
واكدت البيانات ان الدول النامية تتصدر هذا المشهد، حيث يرى 85% من البنوك المركزية في الاقتصادات الناشئة ان الذهب يمثل تحوطا ضروريا ضد المخاطر الجيوسياسية، وهو ما يجعله يتجاوز دوره كمجرد معدن ثمين ليصبح اداة دفاعية قوية في وجه التغيرات الحادة التي قد تطرأ على التحالفات التجارية والمالية الدولية.
تحركات ميدانية لتعزيز الاحتياطيات
وكشفت التحركات الفعلية لبعض الدول عن جدية هذا التوجه، حيث واصل بنك الشعب الصيني تعزيز احتياطياته من الذهب للشهر التاسع عشر على التوالي ليصل اجمالي ما يملكه الى اكثر من 2300 طن، كما اتخذ البنك الوطني التشيكي خطوات مماثلة عبر تكثيف مشترياته لرفع حيازته الى مستويات قياسية، بينما اعتمد البنك الوطني البولندي خطة طموحة لزيادة احتياطياته لتصبح بلاده ضمن اكبر عشر دول حائزة للذهب عالميا.
واشار المتابعون للمشهد النقدي الى ان نصف البنوك المركزية التي تعتزم زيادة مشترياتها تخطط لتمويل ذلك عبر برامج شراء محلية بالعملة الوطنية، بينما يفضل البعض الاخر التخلص من بعض الاصول الاحتياطية القائمة، وهو ما يشير الى اعادة هيكلة جذرية للمحافظ المالية بعيدا عن التركز في الدولار.
وبينت التقارير ايضا ان الاهتمام لم يتوقف عند الشراء فحسب، بل امتد ليشمل اماكن التخزين، حيث زادت نسبة من البنوك التي تحتفظ بذهبها داخل حدودها الوطنية او نوعت مواقع تخزينه خارجيا، وذلك في مسعى لضمان السيادة الكاملة على الاصول وتقليل المخاطر المرتبطة بالسيطرة الخارجية او العقوبات المحتملة التي قد تفرضها القوى الدولية.
