25 أيار 2026
بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حداد
مستشار في الهندسة والصناعة وإدارة المشاريع
في 25 أيار 2026، يحتفل الأردن بالذكرى الثمانين لعيد الاستقلال، وهي مناسبة وطنية تتجاوز حدود الاحتفال الرسمي. إنّه يوم للذاكرة والوفاء والاعتزاز وتجديد الالتزام بالدولة، وشعبها، ومؤسساتها، وهويتها العربية، ومستقبلها.
لم يكن استقلال الأردن، الذي أُعلن في 25 أيار 1946، مجرد حدث سياسي. بل كان ولادة دولة ذات سيادة، وبداية مسؤولية وطنية كبرى: بناء المؤسسات، وحماية الوطن، وصون الوحدة، والدفاع عن الكرامة، والحفاظ على دور الأردن كدولة مستقرة ومسؤولة في إقليم قلّما عرف الاستقرار.
فالاستقلال ليس مجرد علم يُرفع أو تاريخ يُستذكر، بل هو واجب مستمر. إنه يتطلب مؤسسات وطنية قوية، ومواطنة مسؤولة، واحترامًا للقانون، وحماية للمال العام، وعملًا منتجًا، واستثمارًا في الشباب، واستعدادًا دائمًا للدفاع عن سيادة الوطن وكرامته.
وعلى مدى ثمانية عقود، واجه الأردن حروبًا وأزمات إقليمية وموجات لجوء وضغوطًا اقتصادية وتحديات سياسية. ومع ذلك، بقي الأردن صامدًا بحكمة قيادته، وصلابة شعبه، وقوة مؤسساته.
وفي هذه المناسبة، يستذكر الأردنيون بكل فخر دور القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، الذي ارتبط دائمًا بولادة الدولة الأردنية وحمايتها واستمراريتها. فالجيش العربي ليس مجرد مؤسسة عسكرية، بل هو مدرسة وطنية في الانضباط، والولاء، والتضحية، والخدمة، والشرف.
قد تعلن الدولة استقلالها بالإرادة السياسية، لكنها تحافظ على هذا الاستقلال بالأمن، والتضحية، والوحدة، والاستعداد. ولهذا، يبقى عيد الاستقلال وروح الجيش العربي مرتبطين بعمق في الوجدان الأردني. فالجندي الواقف على الحدود، والضابط العامل في الميدان، والمؤسسات الأمنية التي تحمي الجبهة الداخلية، جميعهم يمثلون الدرع الحي للاستقلال.
لقد أدت القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي دورًا محوريًا في الدفاع عن الوطن، وحماية الحدود، ومساندة الدولة في الأزمات، والمشاركة في واجبات حفظ السلام، وترسيخ الثقة الوطنية. وفي كل مرحلة من مراحل التاريخ الأردني الحديث، بقي الجيش رمزًا للكرامة والاستقرار والتضحية الوطنية.
لكن استقلال الأردن لم يكن يومًا بمعنى الانعزال. فالأردن لم ينظر إلى نفسه كجزيرة سياسية منفصلة عن محيطه العربي. لقد بقي قلب الأردن وعيناه متجهين دائمًا نحو وحدة الهلال الخصيب وكرامته واستقراره. فهذا الانتماء الحضاري والجغرافي الأوسع هو جزء من الهوية الأردنية التاريخية، والثقافية والاجتماعية والإنسانية.
وقد نظر الأردن دائمًا إلى جواره العربي بوصفه امتدادًا له. قد تكون الحدود الحديثة قد قسمت الجغرافيا، لكنها لم تستطع أن تقسم التاريخ، ولا روابط العائلات، ولا اللغة، ولا الثقافة، ولا الذاكرة المشتركة، ولا المصير الواحد. فأهل فلسطين وسوريا ولبنان والعراق والأردن تجمعهم روابط عميقة أقدم من كثير من الحدود السياسية، وأقوى من الأزمات المؤقتة.
ولهذا، لم يُنظر إلى الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين والعراقيين في الروح الأردنية كغرباء عن الأرض. ففي أعمق معاني الوجدان الوطني والعربي، كانوا يُنظر إليهم باعتبارهم أبناء الأرض الأوسع نفسها، وجزءًا من النسيج العربي والحضاري للهلال الخصيب، وشركاء في المصير ذاته.
لقد فتح الأردن أبوابه لا بدافع الالتزام السياسي أو الضرورة الإنسانية فقط، بل انطلاقًا من واجب تاريخي، ومسؤولية أخلاقية، وأخوّة عربية. فجراح فلسطين وسوريا ولبنان والعراق كانت تُحسّ في الأردن دائمًا لا كقضايا بعيدة، بل كجراح في الجسد الواحد للأمة العربية.
وهذا لا يُضعف استقلال الأردن، بل يمنحه معنى أخلاقيًا أوسع. فالسيادة الحقيقية لا تعني إغلاق الباب في وجه الجوار أو إدارة الظهر للقضايا العربية. السيادة الحقيقية تعني حماية الوطن مع البقاء أوفياء للهوية العربية الأوسع، وللهلال الخصيب، وللروابط الإنسانية التي لا تستطيع الحدود أن تمحوها.
ومن هنا، تشكلت الشخصية الوطنية الأردنية من مسؤوليتين مترابطتين: مسؤولية حماية الدولة الأردنية، ومسؤولية الوفاء لعمقها العربي. وقد سعى الأردن دائمًا إلى تحقيق التوازن بين السيادة والتضامن، وبين المصلحة الوطنية والواجب العربي، وبين الاستقرار الداخلي والمسؤولية الإقليمية.
في عيد الاستقلال، نحيي كل الأردنيين: قيادةً، وقواتٍ مسلحةً، وأجهزةً أمنيةً، وشعبًا، وكل من يسهم في بناء الوطن وحمايته وخدمته. ونتذكر كذلك أن قوة الأردن كانت دائمًا في وحدته: وحدة القيادة والشعب، ووحدة الجيش والمجتمع، ووحدة الأردن مع محيطه العربي.
إن الذكرى الثمانين للاستقلال ليست مجرد احتفال بالماضي، بل دعوة إلى تعزيز المستقبل. إنها تذكير بأن الاستقلال يجب أن يُحمى كل يوم بالعمل الصادق، والقيادة الحكيمة، والمؤسسات المنضبطة، والدفاع القوي، والتماسك الاجتماعي، والوفاء لرسالة الأردن التاريخية والعربية.
لقد تحقق استقلال الأردن بالإرادة السياسية، وحُفظ بالتضحيات، وتعزز بالوحدة الوطنية. وسيبقى مستقبله معتمدًا على القيم ذاتها: السيادة، والانضباط، والمسؤولية، والانتماء العربي، والإيمان بالوطن.
حمى الله الأردن، وأدامه وطنًا مستقلًا آمنًا عزيزًا موحدًا قويًا.
