يثير التعهد الاخير لحزب الله بعدم الانخراط عسكريا في حال تعرضت ايران لعدوان امريكي او اسرائيلي حالة من الترقب والشكوك في الاوساط السياسية اللبنانية. وتأتي هذه التصريحات وسط تساؤلات جدية حول قدرة الحزب على الالتزام بوعوده في ظل تجارب سابقة اثبتت سرعة تبدل المواقف الميدانية عند حدوث اي تطورات اقليمية مفاجئة. ويسود انقسام في التحليل حول ما اذا كانت هذه التعهدات تعكس واقعا سياسيا جديدا يمليه الداخل اللبناني ام انها مجرد مناورة تكتيكية تهدف الى تخفيف الضغوط الشعبية والسياسية عن الحزب في مرحلة دقيقة.

واكد عضو كتلة الحزب النائب حسن فضل الله ان قرار المقاومة هو قرار لبناني خالص تتخذه قيادتها دون تدخل من اي طرف خارجي. واضاف ان هذا النهج مستمر في عهد الامين العام الحالي كما كان في السابق مبينا ان الموقف نابع من تقدير الحزب للمصلحة الوطنية العليا للبنان. واوضح فضل الله ان ايران لم تطلب من الحزب يوما التدخل في مواجهاتها المباشرة مع القوى الدولية مؤكدا ان الحزب يقاتل تحت سقف قضايا التحرير والجنوب.

وبينت مصادر وزارية ان تصريحات فضل الله لا تزال غير كافية لتبديد المخاوف العميقة لدى المكونات السياسية الاخرى. واوضحت المصادر ان التجارب التاريخية اثبتت ان التطمينات السياسية غالبا ما تسقط امام الحسابات الاقليمية الكبرى التي تفرضها التحالفات الخارجية. وشددت على ان استقلالية القرار العسكري للحزب تظل محل شك في ظل غياب اي ضمانات فعلية تمنع انزلاق البلاد نحو مواجهة غير محسوبة.

استقلالية القرار وتحديات الحرس الثوري

واشارت المصادر الوزارية الى ان القرار النهائي للحزب لا يزال مرتبطا بشكل وثيق بتوجهات الحرس الثوري الايراني رغم كل ما يقال عن قرارات داخلية مستقلة. واضافت ان هامش المناورة لدى الحزب يتقلص كلما تعقدت الامور داخل مراكز القرار في طهران. وكشفت عن وجود تباينات حقيقية داخل المؤسسات الايرانية حيال خيارات الحرب والسلم مما يضع لبنان في حالة من عدم اليقين الدائم تجاه اي تصعيد قادم.

وذكرت المصادر ان رئيس الجمهورية تلقى سابقا اشارات غير مباشرة حول عدم نية الحزب الانخراط في حرب مفتوحة لكن سرعان ما تبدلت المعطيات على الارض في اقل من يومين. واكدت ان هذه السوابق تجعل من الصعب على اي مسؤول لبناني الوثوق بتعهدات لا تملك آليات تنفيذية او ضوابط وطنية تمنع تجاوزها. وبينت ان الدولة اللبنانية تقف عاجزة عن فرض سيادتها حين تقرر قوى الامر الواقع التحرك وفق اجندات اقليمية.

واوضح اساتذة في العلوم السياسية ان وعود الحزب تندرج غالبا ضمن المناورات السياسية الهادفة لاحتواء الغضب الشعبي الناتج عن الازمات الاقتصادية والدمار الذي لحق بالبنية التحتية. واضافوا ان هذه التصريحات تهدف الى طمأنة الرأي العام دون ان تشكل التزاما استراتيجيا حقيقيا يغير من طبيعة سلوك الحزب العسكري. وشددوا على ان غياب المرجعية الوطنية الموحدة للقرار العسكري يجعل لبنان رهينة لمصالح لا تتقاطع بالضرورة مع المصلحة الوطنية اللبنانية.

مستقبل التعهدات في ظل الواقع الميداني

وكشف محللون سياسيون ان التعهدات السابقة التي قدمت لرئيس البرلمان لم تمنع الحزب من اتخاذ قرارات منفردة فاجأت الجميع واثارت استياء القوى السياسية. واضافوا ان تكرار سيناريوهات الماضي يجعل من الصعب تصديق اي وعود جديدة في ظل الظروف الراهنة. واكدوا ان الحزب يمارس لعبة تكتيكية الهدف منها كسب الوقت وتجنب المزيد من العزلة الداخلية بينما تظل قراراته الكبرى رهينة الحسابات الاقليمية التي قد تفرض عليه الانخراط في اي صراع مستقبلي.

وبين الخبراء ان الضغوط الداخلية في لبنان وتداعيات اعادة الاعمار قد تؤثر على نبرة الخطاب السياسي للحزب لكنها لا تغير في عقيدته العسكرية المرتبطة بمحور اقليمي. واضافوا ان عدم وجود آليات دولية او قانونية تضمن احترام هذه التعهدات يجعل من لبنان ساحة مفتوحة لكل الاحتمالات. واوضحوا ان خصوم الحزب في الداخل يدركون جيدا ان اي قرار عسكري قد يتخذ في لحظة ما سيتجاوز مؤسسات الدولة تماما كما حدث في محطات سابقة.

واشار المراقبون الى ان المشهد الحالي يتسم بحالة من الترقب والحذر الشديد من قبل كل الاطراف اللبنانية. واضافوا ان التباين بين الخطاب السياسي المعلن والواقع الميداني يمثل المعضلة الكبرى التي يعيشها لبنان اليوم. واكدوا في ختام تحليلهم ان القرار الاستراتيجي للحزب سيبقى دائما في دائرة التجاذبات الاقليمية بعيدا عن اي اتفاقات محلية قد تنهار في اي لحظة عند اول اختبار ميداني.